السفير متلم ميرزاييف
شكّل «أسبوع باكو للطاقة 2026»، الذي انطلقت أعماله في العاصمة الأذربيجانية باكو في شهر يونيو 2026، منصة دولية مهمة عكست واقع سياسة الطاقة في أذربيجان وآفاقها المستقبلية. وقد شهد الحدث مشاركة 276 شركة من 46 دولة، إلى جانب حضور رؤساء دول وممثلين عن منظمات دولية وكبرى شركات الطاقة والمستثمرين العالميين.
ورسمت الكلمة التي ألقاها رئيس جمهورية أذربيجان، السيد إلهام علييف، الملامح السياسية والاستراتيجية الرئيسية للحدث، حيث استعرض مسيرة التنمية التي شهدتها البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية، ونتائج سياستها في مجال الطاقة، وإنجازاتها في تعزيز أمن الطاقة، فضلاً عن رؤيتها للتحول نحو الطاقة الخضراء.
وفي كلمته، استذكر الرئيس علييف التحديات المعقدة التي واجهتها أذربيجان خلال السنوات الأولى من استقلالها. وأوضح أن البلاد كانت تعاني في مطلع التسعينيات من أزمة اقتصادية وعدم استقرار سياسي وارتفاع معدلات الفقر والاعتماد على استيراد الطاقة، إضافة إلى استمرار احتلال نحو 20 في المائة من أراضيها ووجود أكثر من مليون لاجئ ونازح داخلي.
وأكد الرئيس أن استراتيجية الطاقة التي أطلقها الزعيم الوطني حيدر علييف في تلك المرحلة أرست الأسس الحقيقية للتنمية الاقتصادية اللاحقة. فقد أسهم فتح قطاع الطاقة أمام الشركات الدولية، وتوقيع «عقد القرن»، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية في إطلاق عملية النهوض الاقتصادي للبلاد.
وأشار الرئيس علييف إلى أن نجاح الدول لا يُقاس بامتلاكها موارد النفط والغاز فحسب، بل بقدرتها على إدارة العائدات المتأتية من هذه الموارد بصورة فعالة. وفي هذا السياق، أوضح أن أذربيجان وظّفت عائدات الطاقة في تطوير البنية التحتية الاجتماعية، وتعزيز قطاعي التعليم والصحة، وتقوية قدراتها الدفاعية، فضلاً عن دعم التحول الاقتصادي طويل المدى.
وقد أسفرت هذه السياسات عن نتائج ملموسة، حيث تراجع معدل الفقر إلى نحو 5 في المائة، فيما بلغ حجم الدين الخارجي قرابة 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تجاوزت الاحتياطيات الاستراتيجية من النقد الأجنبي حجم الدين الخارجي بأكثر من ثمانية عشر ضعفاً.
واحتل الدور الذي تضطلع به أذربيجان في مجال أمن الطاقة العالمي حيزاً مهماً من كلمة الرئيس. فقد أشار إلى أن مشاريع مثل خط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان، وخط باكو – سوبسا، وخط أنابيب جنوب القوقاز، ومشروعي «تاناب» و«تاب»، لا تمثل مجرد بنية تحتية لنقل الطاقة، بل تشكل نماذج ناجحة للتعاون الإقليمي والدبلوماسية الطاقوية.
وفي جانب آخر من كلمته، أولى الرئيس اهتماماً خاصاً لسياسة الطاقة الخضراء، مؤكداً أن احتياطيات الغاز الحالية تكفي لتلبية احتياجات البلاد لعقود طويلة، إلا أن أذربيجان تتبنى سياسة طاقة مسؤولة تقوم على التوسع في الاستثمار بمصادر الطاقة المتجددة.
ويكتسب دور الشركاء الدوليين أهمية خاصة في تحقيق الأهداف الطموحة التي وضعتها أذربيجان في مجال الطاقة المتجددة. وفي هذا السياق، يبرز التعاون المتنامي بين أذربيجان والمملكة العربية السعودية كأحد المحاور المهمة في استراتيجية التحول الأخضر للبلاد.
فشركة «أكوا باور» السعودية تُعد من أبرز الشركاء الدوليين لأذربيجان في هذا المجال، حيث تستثمر في محطة لطاقة الرياح بقدرة 240 ميغاواط في منطقتي خيزي وأبشيرون، والتي تُعد من أوائل مشاريع الطاقة المتجددة الكبرى الممولة باستثمارات أجنبية في البلاد. كما تتعاون الشركة مع شركة النفط الوطنية الأذربيجانية (SOCAR) في مشاريع طاقة الرياح البحرية وإنتاج الهيدروجين الأخضر في بحر قزوين.
يعكس هذا التعاون بوضوح بروز تقارب استراتيجي جديد بين أجندة أذربيجان للطاقة الخضراء وسياسات التحول الطاقوي التي تنتهجها المملكة العربية السعودية في إطار رؤيتها المستقبلية.
لقد أكد «أسبوع باكو للطاقة 2026» مجدداً أن أذربيجان لم تعد مجرد دولة منتجة للنفط والغاز، بل أصبحت مركزاً استراتيجياً يجمع بين أمن الطاقة والتحول الأخضر والتكامل الإقليمي والتعاون الدولي.
** **
- سفير أذربيجان لدى المملكة