«الجزيرة» - الرياض:
نظم كرسي غازي القصيبي للدراسات التنموية والثقافية في جامعة اليمامة محاضرة للدكتورة نورة بنت سعيد القحطاني، عضو هيئة التدريس في قسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود، بعنوان «تحولات الذائقة العربية في العصر الرقمي: هيمنة الصورة ونهاية المركزية الشعرية» يوم الأربعاء الماضي. وفيما يأتي عرض لهذه المحاضرة التي حظيت بالمناقشة العلمية والحوار وفتحت مجالاً للنظر في واقع التحولات التقنية التي نعيشها وانعكاسها على اللغة ووسائل تلقي المعلومات بشكل عام.
تناولت المحاضرة تحوّل الذائقة العربية من مركزية الشعر والبيان إلى هيمنة الصورة والوسائط الرقمية. ولا تنظر إلى هذا التحول بأنه انحدار لمكانة الشعر، بل انتقال تاريخي في أنماط التلقي والإدراك وإنتاج المعنى. وتنطلق المحاضرة من فرضية مفادها أن الذائقة لا تتغير بفعل النصوص وحدها، إنما بفعل الوسيط الثقافي الذي ينقلها؛ فالشفاهية والكتابة والطباعة والتلفزيون والمنصات الرقمية، ليست قنوات محايدة، لكنها أنظمة تعيد تشكيل الوعي والحساسية الجمالية. وتستند المحاضرة إلى تصورات مفكرين وعلماء مثل: ماكلوهان، ووالتر أونغ، ونيل بوستمان، وبيير بورديو، وروجيه شارتييه، وكاثرين هايلز، ممن قدموا جهوداً لفهم مسارات التحول من الانتباه العميق المركز إلى الانتباه المتشعب والمتوسع، ومن سلطة الكلمة إلى سلطة الصورة.
وتؤكد القحطاني بأن الجهود والبحوث ومنها هذه المحاضرة لا تسعى إلى إدانة الصورة أو تمجيد الماضي الشعري، وإنما إلى تحليل التحوّل الحاصل في واقع الأدب بشكل عام والشعر على وجه الخصوص من منطلق أن هذا التحول ظاهرة مركبة تتطلب التمحيص والدراسة. فالوسيط الناقل للغة والمضمون، كما يذهب مارشال ماكلوهان، لا يكتفي بنقل الرسالة فحسب، بل يعيد تشكيل طبيعة الرسالة نفسها وطريقة إدراكها؛ وقد صاغ ذلك في عبارته الشهيرة: «الوسيط هو الرسالة».
وذكرت المحاضرة أنه يمكن فهم تاريخ الذائقة العربية بأنه انتقال بين ثلاثة أنظمة كبرى هي:
1 - النظام الشفاهي، وفيه يتقدم الصوت والذاكرة والإنشاد.
2 - النظام الكتابي/ الطباعي، وتتقدم فيه القراءة والتأمل والتدوين والشرح.
3 - النظام البصري الرقمي الذي تتقدم فيه الصورة والسرعة والتفاعل والاختزال.
وأكدت بأنه من الخطأ القول: إن الشعر مات وانتهى زمنه وتأثيره؛ فالشعر ما يزال يُكتب ويُنشر ويُلقى وتُقام له المهرجانات والجوائز، لكن الذي تغير هو موقع الشعر في النظام الثقافي. ففي الواقع الراهن، لم يعد الشعر يحتكر تمثيل الوجدان العربي لوحده كما كان في الماضي هو الممثل الوحيد للفكر والتاريخ والمنظومة الفكرية تحت مسمى «ديوان العرب». لقد نافسته أشكال عديدة مثل الرواية والسينما والأغنية والمسلسل والمنصات والفيديو القصير. وصار الشعر مطالباً بالتكيف مع وسائط جديدة تفرض عليه تغيرات في الصياغة والمعنى؛ فثمة قصيدة مرئية وقصيدة صوتية، وأداء مسرحي ونص رقمي، وهناك مقطع قابل للتداول.
وأوضحت أن المشكلة التي يواجهها الشعر اليوم ليست في الصورة، إنما في اختزال الوعي في الاستهلاك البصري السريع؛ فالخطر لا يأتي من أن نرى، بل من أن نكف عن التأمل، وهذا التأمل لا يأتي من الشاشة أو من المنصة ذاتها، بقدر ما يأتي من تحولها إلى بديل كامل عن القراءة والحوار والتفكير المركب والناقد. وبعبارة أخرى: المعركة ليست بين الشعر والصورة، إنما هي بين العمق والسطحية، وبين المعنى والاستهلاك، وبين التلقي الواعي والتلقي الآلي المقنن بالخوارزميات.
ثم خلصت المحاضرة إلى فكرة أن الذائقة العربية انتقلت من زمن الشعر إلى زمن الصورة بفعل تحولات عميقة في الوسائط والمؤسسات ونظم التعليم ومتغيرات السوق وكذلك أنماط الانتباه. لقد كان هذا الانتقال يمثل تغيراً في بنية التلقي ذاتها، ففي الماضي كان الشعر هو مركز الثقافة العربية لأنه متوافق مع نظام شفاهي وبلاغي وذاكرة مخصوصة. أما اليوم، فقد صارت الصورة والمنصة تشكلان جزءاً كبيراً من الوعي الجمالي والاجتماعي.
وختمت بالقول: إنه مع كل هذه المتغيرات، فإن الشعر مستمر واللغة لم تفقد قدرتها على إنتاج المعنى، وكل الذي حدث هو أن الكلمة لم تعد وحدها في المركز كما كانت، وأصبحت مطالبة بأن تعيد تعريف موقعها في عالم بصري سريع.