وائل العتيبي -جدة:
أعاد الفنان السعودي براء عالم طرح سؤال قديم بلغة جديدة، حين قال: «إحنا عاطفيين ونحب الحب، لكن مو في حياتنا عيب! في الأفلام والأغاني عوافي عادي». جملة عفوية في شكلها، عميقة في دلالتها؛ إذ تكشف التقاء العاطفة بالثقافة، والواقع بالمسموح عرضه، والخصوصي بالعلني.
وجوهر حديثه لا يدافع عن الحب بقدر ما يعيد تموضعه؛ فالقضية ليست غياب المشاعر، بل المسافة بين حضورها الطبيعي في الحياة، وصورتها حين تنتقل إلى الفن والخطاب العام. ومن هنا يبرز تساؤل أوسع: هل أصبح الحب «تمثيلاً» يُعرض أكثر منه تجربة تُعاش؟
هذه الأسئلة ليست مستجدة. فالجزيرة العربية لم تكن يوماً حيادية تجاه العاطفة، بل كانت مهداً لأغنى تجلياتها. هنا تشكّلت سِيَر العشق الخالدة: قيس وليلى، وعنترة وعبلة، وكثير عزة، وجميل بثينة؛ مسارات تحوّل فيها الحب من تجربة فردية إلى إرث إنساني صاغ وجداناً شعرياً ممتداً.
وبناءً على ذلك، يصعب اختزال المجتمع السعودي أو العربي في صورة متحفظة وكأن الحب دخيل عليه. فالشعر الفصيح والنبطي، والأغنية، والسرد الشعبي، احتفظت جميعها بحضور كثيف لمفردات الشوق والوجد والحنين، حتى صار التعبير العاطفي جزءاً أصيلاً من اللغة الثقافية، يتبدل ظهوره حسب السياق لا جوهره.
ويذكّر تصريح براء عالم بأن الحب متأصل في المجتمع، وأن المتغير عبر الزمن ليس جوهر العاطفة، بل آليات ظهورها وحدود الإفصاح عنها، وانتقالها من الخصوصية إلى الفضاء العام.
وتجسد الدراما السعودية اليوم هذا التحول بوضوح؛ إذ لم تعد العلاقات الإنسانية مجرد خلفية سردية، بل أصبحت محوراً يكشف تعقيد المجتمع وتحولاته. وأصبح الحب في الأعمال الحديثة جزءاً من التجربة الإنسانية، لا استثناءً منها.
وفي هذا السياق، يبرز حضور براء عالم في مسلسل «شارع الأعشى»، المستلهم من عالم الروائية بدرية البشر، كنموذج لهذا التحول. فالمسلسل لا يعرض الحب كحكاية منفصلة، بل كبوابة لفهم لحظة تاريخية تتشكل فيها ملامح المجتمع بين إرث راسخ وأسئلة جديدة حول الذات والرغبة والاختيار.
ومن خلال الشخصية التي جسدها براء عالم، تتجلى عاطفة قريبة من اليومي؛ حب يولد في تفاصيل الجيران والبيوت المتجاورة، وينمو في بيئة مشدودة بين براءة البدايات وتعقيدات التحول. وهناك لا يظهر الحب مثالياً، بل تجربة بشرية كاملة: مترددة، صادقة، ومفتوحة على الاحتمال والخسارة.
وتكتسب «شارع الأعشى» خصوصيته من كونه لا يعيد إنتاج الحب كقالب جامد، بل يستعيده كجزء من الذاكرة الاجتماعية الممتدة. فالمشاهد لا يرى قصة معزولة، بل امتداداً لحكايات أقدم ظلت حاضرة في الشعر والحكايات الشعبية.
في المحصلة، يأتي كلام براء عالم كتذكير بأن السعوديين، كسائر الشعوب، لم يكونوا يوماً خارج دائرة الحب، بل في قلبها. والاختلاف لم يكن في وجود العاطفة، بل في لغتها، والمسافة بين ما يُعاش وما يُقال، وبين ما تحتفظ به الذاكرة وما تعرضه الشاشة.
وهكذا تستعيد الدراما السعودية ذاكرتها العاطفية، حيث يظل الحب، رغم تبدل الأزمنة، أحد أكثر السرديات قدرة على فهم الإنسان في عمقه الإنساني.