د.زيد محمد الرماني
الاقتصاد تحكمه مدارس ثلاث، بتشعباتها، ورواج أو شعبية مدرسة، ومستوى القبول لأفكارها يرتبطان بأوضاع الحقبة التي تنشر فيها، فعندما يتولى أتباع مدرسة فكرية ما مسؤولية إدارة الاقتصاد عادة ما يأتي دورهم بعد حقبة سقوط، سببها سيادة فكر مدرسة أخرى، بما يخلق بيئة ناقمة وعلى استعداد للقبول بالفكر النقيض.
و«التقشف: تاريخ فكرة خطرة» هو عنوان كتاب مارك بليث، وإذا كان صحيحاً ما يُقال من أن الكتاب يُقرأ من عنوانه، فإن هذا الكتاب من غلاف البداية حتى غلاف النهاية يروي كيف أن التقشف فكرة خاطئة. فالتقشف من وجهة نظر الكاتب ليس فكرة علاج اقتصادي لوضع يحتاج إلى علاج، بل هو أحد المشتقات الفكرية لأيديولوجية المدرسة الكلاسيكية (آدم سميث) حول ضرورة إبقاء الحكومات صغيرة وبأدنى سلطة ممكنة، حتى تتمكن «اليد الخفية» من تحقيق أفضل أداء للاقتصاد الكلي. فعندما تُترك لرجل الأعمال حرية تعظيم مصالحه، فإنه يعمل من دون قصد على تحقيق أعلى مستويات العمالة لمجتمعه، ويحقق أفضل استخدام للموارد المتاحة لإنتاج نوعية متفوقة من السلع والخدمات بأدنى تكلفة ممكنة. وعدم التقشف من وجهة نظر المدرسة الكلاسيكية، يعني إنفاقاً عاماً أكبر وحكومات متضخمة وتبديداً للموارد وسلطات غير مستحقة لتلك الحكومات، حكومات تعمل في نهاية المطاف على فرض سلطانها على قطاع الأعمال بما يعطل الدور الرائد لـ«اليد الخفية». ذكرت في البداية أن الاقتصاد تحكمه ثلاث مدارس، ولكل مدرسة تفرعاتها، فالمدرسة الأولى تزامنت مع ثورة أوروبا الصناعية وبدء تحويل المخترعات إلى منتجات سلعية وخدمية. وما بين بداية القرن التاسع عشر ونهايته، كانت الظروف البائسة لأوضاع العمالة التي أسست لقيام المدرسة الثانية، أعني المدرسة «الماركسية» التي كانت تميل إلى النقيض تماما. والخوف من انهيار العالم الحر بعد الكساد العظيم أسس لنشوء المدرسة الثالثة الجديدة بزعامة البريطاني «جون مينارد كينز»، وكانت مدرسة وسطاً تحاول الموازنة بين مكافأة رأس المال ومكافأة العمل. لذا، يعرض مارك بليث، الاقتصادي المولود في أسكتلندا والذي يعمل أستاذاً في جامعة براون الأميركية، أبرز محطات التقشف خلال الأزمات الأخيرة، وينقّب في التاريخ النظري للعلوم الاقتصادية بحثا عما يؤيد التقشف أو يفنّده ليخلص إلى أن التقشف فكرة سيئة تفاقم الصعاب، وهي إن مكنت حكومات من ترتيب أوضاعها المالية العامة في حالات قليلة، فالثمن الاجتماعي كبير، وكذلك الأثمان الاقتصادية. ويشدد على أن الحل هو معاقبة القطاعات المالية المذنبة وترك مؤسساتها تفلس، بينما المخرج برأيه من الركود في الاقتصادات الوطنية هو في مزيد من الإنفاق الحكومي ولو لقاء طبع أوراق مالية إضافية ومراكمة مزيد من الديون.
يقول مارك بليث: يتمثَّل جزء من عمل الأكاديميين في توليد الأفكار وفي التعليم. ويتمثَّل الجزء الآخر والأهم ربما في أداء دور «شرطة الهراء». فوظيفتنا هي أن ننظر في الأفكار والخطط التي تتقدَّم بها الجهات المهتمة لحل مشاكلنا الجماعية والتفكير فيما إذا كانت قابلة للنجاح في امتحان السلامة. ولا ينجح التقشف باعتباره طريقاً إلى النمو والاستجابة السليمة لتداعيات الأزمة المالية في امتحان السلامة. ولا تنجح الآراء المقدمة لتعليل وجوب لجوئنا جميعاً إلى التقشف في امتحان السلامة.
كلمة عن الكتاب نفسه، هو مصمم ليكون نموذجياً. إذا رغبت في مراجعة عامة للأمور المعرضة للخطر في المعركة حول التقشف فاقرأ الفصل الأول. وإذا رغبت في معرفة لماذا نُجبَر جميعاً على التقشف ولماذا انتهى المطاف بمجموعة من الرهون الفاسدة في الولايات المتحدة لتفجر الاقتصاد الأوروبي، فاقرأ الفصلين الثاني والثالث. وإذا رغبت في معرفة مصدر اعتبار التقشف فكرة طيبة على صعيد نَسَبِها الفكري، فاقرأ الفصلين الرابع والخامس. وإذا رغبت في معرفة لماذا يبدو التقشف فكرة خطرة إلى هذا الحد، بغض النظر عمَّا يرد في الفصلين الثاني والثالث، فاقرأ الفصل السادس. وإذا رغبت في محطة واحدة لمعرفة السبب وراء الفوضى التي تعم العالم حالياً والتي يُطلب منك أن تسدد فاتورتها فاقرأ الكتاب كله.
يقول بليث: إن ما يزعجني إذن على مستوى شخصي عميق هو أن التقشف، إذا اعتُبِر السبيل الوحيدة قدما، لن يكون غير منصف للجيل الحالي من «العمال الذين ينقذون المصرفيين» فحسب. وهذا الكتاب يهدف إلى جعلنا جميعاً نتذكر ذلك ونساعد بالتالي في ضمان ألّا يكون المستقبل ملكاً للأقلية صاحبة الامتيازات حالياً. فالعالم، صراحة، في حاجة إلى بَعْضٍ إضافي من أطفال الرفاه الذين يصبحون أساتذة، فالأمر يحافظ على نزاهة الباقين.