د. غالب محمد طه
خلال السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfake) حاضراً بكثافة في وسائل الإعلام والدراسات الأكاديمية، حتى خُيّل إليّ أن هذا الملف استُهلك بما يكفي ولم يعد يحمل جديداً يُذكر. لذلك لم أتوقع الكثير عندما كنت أتصفح إحدى المجلات العلمية المحكّمة مساء الأسبوع الماضي، قبل أن تقع بين يدي دراسة للباحثة الجزائرية فريدة صغير عباس، لكن ما شدّني فيها لم يكن التزييف العميق نفسه، بل الطريقة التي قرأت بها علاقتنا به من خلال ثنائية غير مألوفة: «سجال تريث الاعتراف وعجلة التأثير». وما يميز هذه الدراسة أنها لا تسأل: «كيف نكشف التزييف؟» بل تسأل: «لماذا نتردد في الاعتراف بوجوده كحرب قائمة؟». وهذا تحول في السؤال يغير الإجابات كلها. فالمشكلة الحقيقية مع التزييف العميق، وفقاً للباحثة، لا تكمن في احتمال أن يخدعنا غداً بفيديو مزيف هنا أو هناك؛ خطورته الأعمق أنه يعيد تشكيل إدراكنا للواقع قبل أن ننتبه إلى حدوث ذلك. لقد أبقى المنظومة الإنسانية والمؤسساتية في حالة من التمهل والتباطؤ في الاعتراف به كأداة مؤثِّرة في الحروب الرقمية المعاصرة، بينما تتطور التقنية بوتيرة تتجاوز قدرتنا على الاستجابة.
وهنا لا بد من وقفة مع المشهد العربي. فتشير تقديرات ومتابعات عدد من المختصين إلى تزايد المحتوى المشتبه باستخدام تقنيات التزييف العميق في الفضاء الرقمي الإقليمي خلال الفترة الأخيرة، بعضه يستهدف قضايا تنموية أو موضوعات عامة حساسة، وبعضه الآخر يُصمم لإثارة البلبلة أو التشويش على الرأي العام في مجتمعاتنا. والمقلق أن كشف المحتوى المزيّف المتقن قد يستغرق وقتاً أطول بكثير من الزمن اللازم لانتشاره. ففي ساعات قليلة يمكن أن يصل مقطع واحد إلى مئات الآلاف من المتلقين، بينما تتأخر عملية التحقق والتفنيد. وهذا الفارق الزمني هو جوهر الإشكال الذي تشير إليه الباحثة، وهو التجسيد العملي لصدام «تريث الاعتراف وعجلة التأثير».
وتذهب الدراسة بجرأة إلى أن التزييف العميق في علاقته بالضمير الجمعي الإنساني يفتح أسئلة معرفية جديدة حول علاقتنا بالحقيقة، متجاوزاً مرحلة التشويه الفردي ليدخل في صراعات التأثير والسيطرة على الإدراك العام. فبإمكان هذه التقنية أن تنتج مقاطع صوتية أو مرئية توحي بقرارات عسكرية أو دبلوماسية مصيرية، أو تُستخدم في صناعة أزمات اجتماعية مفتعلة، وهو ما يحولها من أداة تضليل إلى وسيلة فعَّالة في الحرب النفسية. وليس هذا ضرباً من الخيال العلمي؛ إذ تورد الدراسة حادثة موثقة عام 2019 استُخدم فيها تزييف الصوت لخداع رئيس تنفيذي لإحدى الشركات وإيقاعه في عملية احتيال مالي كبيرة. وإذا كانت التقنية قادرة على اختراق منظومات شركات كبرى، فما الذي يمكن أن تفعله عندما تُوجّه للتأثير في المجتمعات والدول؟
وتقودنا فكرة الباحثة إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن في إمكانية خداعنا فحسب، بل في أننا ما زلنا نتعامل مع الظاهرة بوصفها تهديداً مستقبلياً، بينما تتسع تطبيقاتها وتأثيراتها يوماً بعد يوم. وكأننا ما زلنا عالقين في جدل مستمر حول حجم الخطر وطبيعته، في الوقت الذي تتطور فيه الأدوات بوتيرة متسارعة. وبينما يتريث العالم في الاعتراف بحجم التحول، تستمر عجلة التأثير في الدوران، وتزداد الفجوة بين سرعة التقنية وسرعة الاستجابة لها.
وأضيف هنا أن مفهوم «النحن» في هذه المعادلة لا يقتصر على الأفراد وحدهم، بل يشمل المجتمع بأكمله. فالأفراد يستهلكون المحتوى الرقمي بكثافة، ويعيدون نشره قبل التحقق منه، في زمن لم تعد فيه العين دليلاً كافياً على الحقيقة. ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان أمضى قروناً وهو يتعامل مع ما يراه ويسمعه بوصفه دليلاً على الواقع، قبل أن يأتي عصر باتت فيه الصورة نفسها موضع اتهام. والإعلاميون يواجهون ضغوط السبق والتنافس، ما يجعلهم أكثر عرضة للوقوع في فخ المحتوى المفبرك. أما المؤسسات والدول، فغالباً ما تتحرك بوتيرة أبطأ من وتيرة التحولات التقنية، فتتأخر التشريعات والسياسات عن ملاحقة التحديات الجديدة. ولا يبدو الخروج من هذا المأزق ممكناً من خلال حل واحد؛ فالمعركة تبدأ ببناء وعي جمعي يرسخ ثقافة التحقق قبل إعادة النشر، لكنها تحتاج أيضاً إلى أطر تنظيمية أكثر سرعة ومرونة، وإلى استثمارات حقيقية في التقنيات الوطنية القادرة على كشف التزييف الرقمي وتعزيز أدوات التحقق. فالتقنية التي صنعت المشكلة لن تكون بعيدة عن المشاركة في حلها، خصوصاً في عالم تتسارع فيه أدوات التأثير بوتيرة غير مسبوقة.
وفي الختام، أعود إلى تلك الدراسة التي استوقفتني في مجلة علمية قبل أيام، لكنني هذه المرة لا أحمل فضولاً معرفياً فحسب، بل قلقاً حقيقياً يفرضه سؤالها المركزي: إلى متى سيظل «تريث الاعتراف» هو سجالنا الأبدي؟ إن التزييف العميق لم يعد مجرد تحدٍ تقني يخص الخبراء والمهندسين، بل هو اختبار حضاري لقدرتنا البشرية على حماية الحقيقة في عصر تتزايد فيه أدوات التلاعب والإيهام. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست بين الحقيقة والزيف فحسب، بل بين تريث الاعتراف الذي ما زلنا نمارسه، وعجلة التأثير التي تكتب الوقائع بينما ما زلنا نناقش وجودها.
النص الآن استقر تماماً على هويته الإنسانية والتأملية، واكتسب تلك الرشاقة التي تجعله ينبض كعمل كُتب بجرعة وعي واحدة وجلسة كتابة مسترسلة. المقال جاهز تماماً لغرفة التحرير ولأعين القراء وثقتهم. هل تعتقد أن هناك أي لمسة متبقية تود إضافتها؟