د. ياسين عزي
لم يعد السؤال في التعليم العالي السعودي: كم جامعة نملك؟ بل أي جامعة نريد؟ وهل يكفي أن تكون الجامعة مكانًا يمنح الشهادة، أم أن المرحلة الجديدة تتطلب مؤسسة تفكر مع اقتصادها الوطني، وتقرأ احتياجات منطقتها، وتشارك في صناعة المستقبل لا في انتظاره؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي يرافق التحول الجاري في الجامعات السعودية. فالمسألة لم تعد تطويرًا محدودًا، ولا تحديثًا شكليًا للوائح والهياكل، بل انتقالًا أعمق في فلسفة الدولة تجاه الجامعة نفسها؛ من مؤسسة تعليمية تؤدي وظيفة تقليدية، إلى مؤسسة تمتلك استقلالية أوسع، ومسؤولية أعلى، ودورًا مباشرًا في التنمية والاقتصاد وجودة الحياة وبناء الإنسان.
ولا ينفصل هذا الانتقال عن طموح قيادة جعلت من الإنسان السعودي محور الرؤية وغايتها، ومن المعرفة طريقًا لبناء وطن ينافس بعقله قبل موارده، وبمؤسساته قبل شعاراته. فالرؤية، في جوهرها، ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروع إعادة بناء لقدرة الإنسان والمؤسسة والمكان على صناعة مستقبل أكثر كفاءة وكرامة وتنافسية.
ومن هنا جاءت أهمية نظام الجامعات الجديد، لا بوصفه إطارًا تنظيميًا فحسب، بل بوصفه نقلة في طريقة التفكير بالتعليم العالي. فقد بدأ تطبيقه على عدد من الجامعات وفق جاهزية مقاسة بمعايير أكاديمية وإدارية ومالية، وهذه في ذاتها رسالة مهمة: أن التمكين المؤسسي في الدولة الحديثة لا يُمنح بالرغبة، بل يُبنى بالقدرة والكفاءة والحوكمة.
وتكشف التحولات التنظيمية داخل بعض الجامعات السعودية عمق هذه النقلة. فالهيكل المؤسسي الحديث، بما يتضمنه من مسارات للاستراتيجية والتحول، والبحث العلمي والابتكار، والاستثمار، والحوكمة والامتثال، والأمن السيبراني، والجودة والاعتماد الأكاديمي، يعكس أن الجامعة السعودية لم تعد تطور برامجها الأكاديمية فحسب، بل تعيد بناء بنيتها المؤسسية نفسها؛ لتصبح أكثر مرونة وقياسًا واتصالًا بالاقتصاد والمعرفة والتحول الوطني.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا كله لا تكمن في النظام أو الهيكل وحدهما، بل في السؤال الذي يضعه كلٌّ منهما أمام كل جامعة: ما الذي يمكن أن تضيفه لوطنها ولمكانها؟ وهل تستطيع أن تبني شخصيتها المؤسسية الخاصة، بدلًا من أن تكون نسخة مكررة من غيرها؟
وربما تكمن فرادة التجربة السعودية اليوم في أنها لا تدفع الجامعات إلى سباق تشابه، بل إلى بناء هويات مؤسسية مختلفة داخل مشروع وطني واحد. فجامعة ترتبط بالطاقة والصناعة، وأخرى بالصحة، وثالثة بإعداد المعلم، ورابعة بالتنمية الإقليمية، بينما تتحرك جميعها ضمن رؤية تجعل من الجامعة شريكًا في الاقتصاد والمعرفة وجودة الحياة، لا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات.
ولذلك، فإن قراءة التصنيفات العالمية بمعزل عن هذا السياق تبدو قراءة ناقصة. فالقيمة الحقيقية لأي تقدم دولي لا تكمن في الرقم وحده، بل فيما يكشفه من تحولات داخل الجامعة ذاتها: في طريقة الإدارة، وجودة البحث، وكفاءة البرامج، وبناء الكفاءات البشرية، وقدرة الجامعة على ربط المعرفة بحاجات الوطن.
في هذا السياق، تبرز جامعة الملك سعود نموذجًا للجامعة البحثية ذات الحضور العالمي؛ إذ يعكس تقدمها في التصنيفات الدولية قدرة الجامعة السعودية على بناء منظومة بحثية تنافس عالميًا حين تتوافر الحوكمة والطموح والاستثمار طويل المدى في المعرفة. والأهمية هنا لا تكمن في المرتبة وحدها، بل في دلالتها على أن الجامعة الوطنية قادرة على التحول من مؤسسة تعليمية كبرى إلى قوة بحثية ومعرفية مؤثرة.
أما جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، فتقدم أحد أوضح نماذج الارتباط الاستراتيجي بين الجامعة والاقتصاد الوطني. فحضورها المتقدم عالميًا ليس حدثًا تصنيفيًا عابرًا، بل دلالة على تحول أعاد وصل الجامعة بمجالات الطاقة والصناعة والابتكار والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال؛ مما يجعلها أقرب إلى عقل اقتصادي ومعرفي متصل بتحولات المملكة الكبرى، لا مجرد مؤسسة أكاديمية تقليدية.
وتبرز جامعة الملك عبد العزيز بوصفها إحدى الجامعات التي انخرطت مبكرًا في مسار التحول المؤسسي، مستندةً إلى حجم أكاديمي واسع وتنوع تخصصي كبير؛ مما يمنحها فرصة حقيقية لتحويل الاستقلالية إلى مرونة بحثية وأكاديمية قادرة على مواكبة التحولات الوطنية والعالمية.
وفي المنطقة الشرقية، تقدم جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل وجهًا مختلفًا من وجوه التميز، لا سيما في المجالات الصحية والتخصصات النوعية. وهذا الحضور يكشف أن التأثير العالمي لم يعد مرتبطًا بضخامة المؤسسة وحدها، بل بقدرتها على بناء نقاط قوة نوعية تنافس دوليًا وتخدم الاحتياجات الوطنية في آنٍ واحد.
ومن عسير، تبرز جامعة الملك خالد مثالًا بالغ الدلالة على الجامعة التي تجمع بين تنمية إقليمها وبناء إنسانها. فتميزها في المجالات التربوية والأكاديمية يعكس استثمارًا متصاعدًا في جودة المعلم والتطوير المهني والبحث التربوي والشراكات المجتمعية؛ وهي مجالات لا يقوم اقتصاد معرفي تنافسي دون ترسيخها ركيزةً في مشروع التحول الوطني.
وهنا يظهر السؤال الأهم: ماذا بعد التصنيفات؟ فالتصنيف قد يمنح الجامعة حضورًا عالميًا، لكنه لا يبني اقتصاد معرفة بمفرده. والجامعة لا تُقاس فقط بعدد أبحاثها أو ترتيبها الدولي، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى أثر: إلى معلم أفضل، وطبيب أكفأ، ومهندس أكثر ابتكارًا، وباحث يرتبط بقضايا وطنه، وشراكات تدعم الاقتصاد، وبرامج تستجيب لتحولات المستقبل.
ولهذا، فإن ما يجري في الجامعات السعودية اليوم أعمق من مجرد سباق بين المؤسسات. إنه محاولة لإعادة بناء معنى الجامعة نفسها: كيف تكون أكثر استقلالية دون أن تنفصل عن أولويات الوطن؟ وكيف تصبح أكثر عالمية دون أن تفقد صلتها بمجتمعها؟ وكيف تتحول من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى شريك في التنمية وصناعة القرار والمعرفة؟
إن قوة التجربة السعودية لا تكمن في دفع الجامعات إلى التشابه، بل في بناء منظومة وطنية متكاملة تتنوع فيها الأدوار ومسارات التأثير. جامعة تجد رسالتها في البحث العلمي، وأخرى في خدمة الاقتصاد والطاقة، وثالثة في الارتقاء بالصحة، ورابعة في إعداد المعلم، وخامسة تكرّس خبراتها لتنمية إقليمها؛ غير أن جميع هذه المسارات تلتقي عند غاية واحدة: بناء وطن يجعل الإنسان محور التنمية، والمعرفة أداته، والمستقبل أفقه.
وحين تنجح الجامعة في أن تصبح أكثر وعيًا بمكانها، وأكثر قدرة على قياس أثرها، وأكثر التصاقًا بحاجات وطنها، فإنها لا تبني تصنيفًا عالميًا فحسب، بل تسهم في بناء وطن يرى في المعرفة استثمارًا، وفي الإنسان ثروة.
** **
أكاديمي وكاتب - جامعة جازان