صبحي شبانة
عندما تقف الأمم على أعتاب مراحل فارقة من تاريخها، لا تُقاس أهمية الدول بحجم ما تمتلكه من أسلحة أو بما تختزنه من ثروات فحسب، بل بقدرتها على قراءة اتجاهات التاريخ قبل أن تتضح معالمها للجميع، وبامتلاكها البصيرة التي تمكنها من التمييز بين ما هو عابر وما هو مصيري، فالأزمات الكبرى لا تختبر قوة الجيوش وحدها، بل تختبر أيضاً عمق الرؤية السياسية، وصلابة المؤسسات، ونضج صناع القرار وهم يوازنون بين ضرورات الحاضر واستحقاقات المستقبل، ولأن التاريخ لا يكتبه المنتصرون في الحروب وحدهم، بل يكتبه أيضاً الذين نجحوا في منع الانزلاق الى الحروب أو الحد من آثارها، فإن قيمة الدولة تظهر بوضوح عندما تتكاثر الضغوط وتتسارع الأحداث وتضيق مساحات المناورة، ففي أجواء التوتر تصبح القرارات الانفعالية أكثر إغراءً، وتعلو أصوات المزايدات، وتتسابق الأطراف نحو تسجيل المواقف، لكن الدول الراسخة تدرك أن ما يبدو مكسباً في لحظة غضب قد يتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد، وأن المحافظة على الرشد السياسي وسط العواصف، وسط العواصف تحتاج إلى قدر من الشجاعة لا يقل أهمية عن شجاعة المواجهة نفسها.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب تبدأ غالباً بفكرة بسيطة وتنتهي بوقائع معقدة لم تكن في حسبان أحد، قرار يتخذه قائد، أو حسابات خاطئة يبنيها طرف ما، أو رهان على أن الخصم سيتراجع عند حدود معينة، ثم لا تلبث الأحداث أن تخرج من قبضة الجميع لتفرض منطقها الخاص، ولهذا فإن الحكمة السياسية لا تكمن في القدرة على إشعال المواجهات، بل في القدرة على استشراف مآلاتها قبل وقوعها، وعلى إدراك الفارق بين القوة التي تحمي المصالح والقوة التي تستنزفها، وفي عالم يموج بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، لم تعد مكانة الدول تُبنى فقط على ما تملكه من أدوات الردع، بل على قدرتها على توفير الاستقرار لشعوبها وصيانة مصالحها وتجنب الانجراف إلى صراعات تستنزف الموارد وتعطل فرص التنمية، فالدول التي تنظر بعيداً تدرك أن بناء المستقبل أكثر صعوبة من خوض الحروب، وأن حماية الإنجازات تحتاج إلى حكمة توازي في أهميتها امتلاك عناصر القوة، ومن هذا المنطلق يمكن فهم كثير من المواقف التي تتخذها الدول الكبرى والمسؤولة في أوقات الأزمات، حيث لا يكون الهدف مجرد تجاوز أزمة طارئة، بل حماية الإقليم من تداعيات قد تمتد لسنوات طويلة، وعندما ننظر إلى ما شهدته المنطقة خلال التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران ندرك أن ما كان مطروحاً لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محتملة بين طرفين، بل احتمال اهتزاز منظومة كاملة من المصالح والتوازنات التي يرتبط بها أمن المنطقة واستقرارها ومستقبل أجيالها.
في تلك المرحلة الحساسة بدا الشرق الأوسط وكأنه يقف على حافة منعطف جديد، كانت لغة التهديد تتصدر المشهد، وكانت التوقعات تتحدث عن احتمالات مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود أطرافها المباشرين لتطال أمن الخليج واستقرار المنطقة بأكملها، وربما تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية التي يعتمد عليها العالم في حركة التجارة والإمدادات، في مثل هذه الاوقات تصبح الحكمة السياسية أكثر قيمة من الخطابات الحماسية، وتصبح القدرة على تجنب الحرب إنجازاً لا يقل أهمية عن الانتصار فيها، وهنا برز الموقف السعودي بوصفه تعبيراً عن مدرسة سياسية تراكمت عبر عقود طويلة من الخبرة والتجربة، مدرسة تدرك أن الدول الكبيرة لا تُدار بردود الفعل، وأن مستقبل الشعوب لا يمكن أن يُترك رهينة للانفعالات المؤقتة أو الحسابات الضيقة.
لقد أدركت المملكة العربية السعودية منذ اللحظات الأولى أن أي مواجهة واسعة في المنطقة لن تنتج رابحين حقيقيين، وأن الجميع سيدفع جزءاً من الثمن مهما اختلفت مواقعهم أو أدوارهم، فالحروب الحديثة لم تعد معارك تقليدية تدور في جبهات محددة وتنتهي عند خطوط تماس واضحة، بل أصبحت تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والاستثمار والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، وتترك آثاراً قد تستمر سنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية، ومن هنا لم يكن الموقف السعودي مجرد موقف سياسي فرضته ظروف الأزمة، بل كان امتداداً لرؤية أوسع تنطلق من إدراك عميق بأن استقرار المنطقة يمثل مصلحة استراتيجية للجميع، وأن البديل عن الاستقرار ليس انتصار طرف على آخر، بل خسارة جماعية تتفاوت درجاتها لكنها لا تستثني أحداً.
لقد مرت المنطقة العربية خلال العقود الماضية بتجارب مريرة دفعت خلالها أثماناً باهظة نتيجة الصراعات والحروب والانقسامات، وكم من دولة استنزفت مواردها في نزاعات طويلة، وكم من مجتمع تعطلت خططه التنموية بسبب أزمات متلاحقة، وكم من فرصة ضاعت تحت ضغط الاستقطابات السياسية والمواجهات العسكرية، ولذلك لم يكن غريباً أن تنظر المملكة إلى التطورات الأخيرة من زاوية مختلفة، زاوية تضع استقرار المنطقة فوق حسابات اللحظة وأصوات التحريض، ولعل أحد أهم الدروس التي كشفتها الأحداث أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل المزيد من الحروب، فالمنطقة التي تواجه تحديات اقتصادية وتنموية وتكنولوجية متسارعة تحتاج إلى الاستثمار في المستقبل أكثر من حاجتها إلى الاستثمار في الأزمات والحروب، كما أن شعوبها التي تتطلع إلى التنمية وفرص العمل والتعليم وتحسين جودة الحياة لم تعد تنظر إلى الصراعات بوصفها طريقاً للحلول، بل بوصفها عبئاً إضافياً يؤخر تحقيق طموحاتها.
ومن هنا يمكن فهم طبيعة المقاربة السعودية للأزمة، فالمملكة لم تنجرف إلى لغة التصعيد، ولم تتعامل مع التطورات باعتبارها فرصة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الاستقطابات القديمة، بل ركزت على احتواء التوتر ومنع اتساع دائرة المواجهة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن إشعال الحرائق أسهل كثيراً من إخمادها، وأن الحروب حين تبدأ لا تلتزم دائماً بالحدود التي يرسمها أصحاب القرار، لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المملكة تنظر إلى المنطقة من منظور مختلف، منظور يربط الأمن بالتنمية، والاستقرار بالازدهار، والسياسة بمصالح الشعوب لا بصخب الشعارات، فحين أطلقت رؤية المملكة 2030 كانت تدرك أن المستقبل يُبنى بالاستثمار في الإنسان والاقتصاد والمعرفة، لا باستنزاف الموارد في صراعات لا تنتهي، ولهذا فإن أي اضطراب كبير في المنطقة لا يمثل تهديداً أمنياً فقط، بل يشكل أيضاً تحدياً مباشراً لمشروعات التنمية والتحول الاقتصادي التي تحتاج إلى بيئة مستقرة وثقة طويلة المدى، ومن هنا جاء الحرص السعودي على تجنيب المنطقة منزلقات قد يصعب الخروج منها لاحقاً، ومن يقرأ تاريخ السياسة السعودية يلاحظ أن المملكة كثيراً ما فضلت العمل الهادئ على الضجيج، والنتائج العملية على المكاسب الإعلامية المؤقتة، فالدبلوماسية السعودية لم تُبنَ على ردود الفعل، بل على قراءة متأنية للتوازنات الإقليمية والدولية، وعلى إدراك أن الاستقرار لا يتحقق بالشعارات، وإنما ببناء التفاهمات وإدارة الخلافات وتقليل مساحات التوتر.
لقد تغير العالم كثيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت القوة في معناها الحديث أكثر تعقيداً من مجرد امتلاك السلاح، فالدول تُقاس اليوم بقدرتها على جذب الاستثمارات، وبمستوى تطورها الاقتصادي، وبمكانتها في سلاسل الإمداد العالمية، وبقدرتها على توفير بيئة مستقرة لمواطنيها وشركائها، ولهذا فإن الحفاظ على الاستقرار أصبح جزءاً من معادلة القوة نفسها، لا نقيضاً لها، وفي هذا السياق اكتسبت السياسة السعودية أهمية متزايدة، لأنها انطلقت من رؤية ترى أن الشرق الأوسط يحتاج إلى مزيد من الجسور لا إلى مزيد من الجدران، وإلى مزيد من الحوار لا إلى مزيد من الحروب، وهي رؤية أثبتت مع مرور الوقت أنها أكثر قدرة على حماية المصالح وتحقيق الاستقرار المطلوب، كما أن التطورات الأخيرة أكدت أن كثيراً من الأطراف الإقليمية بدأت تعيد النظر في بعض مقارباتها التقليدية، فسنوات الصراع الطويلة لم تنتج استقراراً دائماً، ولم توفر حلولاً مستدامة، بل أظهرت حدود القوة عندما تنفصل عن السياسة، وحدود المواجهة عندما تغيب عنها الرؤية بعيدة المدى.
ولهذا بدأت تبرز قناعة متزايدة بأن الحوار ليس تنازلاً، وأن خفض التوتر ليس ضعفاً، وأن بناء قنوات التواصل لا يعني التخلي عن المصالح أو الثوابت، بل إن الدول الواثقة من نفسها هي الأكثر قدرة على الجمع بين حماية مصالحها والانفتاح على الحلول السياسية، وقد يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية على كل نتائج المرحلة الحالية، لكن المؤكد أن المنطقة خرجت بدروس مهمة، أبرزها أن الحكمة ليست نقيض القوة، بل أحد أهم أشكالها، وأن الدول التي تنجح في حماية الاستقرار لا تقل أهمية عن الدول التي تمتلك أدوات الردع، وأن تجنب الكوارث قد يكون أحياناً إنجازاً أكبر من تحقيق الانتصارات.
فالسياسة في جوهرها ليست فن إدارة الازمات والعداوات الدائمة، بل فن إدارة المصالح، وليست سباقاً في إطلاق المواقف الحادة، بل قدرة على حماية الأوطان من المخاطر التي قد تهدد حاضرها ومستقبلها، والدول الناجحة ليست تلك التي تدخل كل المعارك، بل تلك التي تعرف أي المعارك يجب خوضها وأيها يجب تجنبها، ولهذا فإن قيمة الموقف السعودي لا تكمن فقط في دوره خلال هذه الأزمة، بل في الرسالة الأوسع التي يصدرها، رسالة تؤكد أن المنطقة تستطيع أن تكتب فصلاً مختلفاً من تاريخها إذا انتصرت لغة العقل على لغة الانفعال، وإذا أصبحت التنمية أولوية تتقدم على الصراعات، وإذا أدرك الجميع أن المستقبل لا يُبنى فوق أنقاض الحروب بل فوق أسس الاستقرار والتعاون والعمل المشترك.
قد تختلف القراءات السياسية للأحداث، وقد تتباين التفسيرات بشأن دوافع الأطراف المختلفة وحساباتها، لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الشرق الأوسط يحتاج اليوم إلى مزيد من الحكمة لا إلى مزيد من الحرائق، وإلى مزيد من البناء لا إلى مزيد من الاستنزاف، وفي هذا السياق تبدو المملكة العربية السعودية متمسكة بخيار أثبت التاريخ مراراً أنه الأكثر صواباً، خيار حماية المنطقة من الانزلاق إلى المجهول، والعمل من أجل مستقبل يكون فيه الاستقرار قاعدة راسخة، والتنمية مشروعاً مستداماً، والسلام فرصة حقيقية للأجيال القادمة.