صالح الشادي
ليس الذوق ثياباً فاخرة، ولا الأناقة ساعة ثمينة تحمل علامة تجارية، ولا الأمر مرتبط بحال الرجل المادية أو ضيق ذات اليد. الذوق مرآة تعكس روح الإنسان، والأناقة صدى البيئة التي ترعرع فيها، والأجمل على الإطلاق أن يكون الإنسان هو نفسه، لا أن يتحول إلى نسخة مشوهة لرجل غربي أو ياباني، ولا إلى ممثل يجيد دوراً لم يكتب له.
نعم، لا مانع من تطوير الأدوات، والاهتمام بالجماليات، والتركيز على ما هو لائق أمام الآخرين، لكن الأهم بكثير أن تظل أنت، لا ادعاءً ولا تمثيلاً، لا مظهراً قشرياً تختبئ وراءه روح منهكة.
أزور الأصدقاء والأحبة في قصورهم وأكواخهم وخيامهم، في كل مكان من هذا العالم، وقد تلفت نظري فكرة الذوق والأناقة في هذا المكان أو ذاك، لكني سرعان ما أعود إلى صديقي أو مضيفي، وأنسى كل ما حوله. فهو ما يبقى في الذاكرة، هو ابتسامته، صدقه، دفء كلماته، وليس ما يرتديه أو ما يملكه. سلوك جميل وجهد رائع يبذله الكثيرون ليظهروا بمظهر حسن، لكن الأمر يصبح جميلاً حقاً حين تستبعد التصنع والادعاء، حين لا تحمل نفسك ما لا تطيق، وحين لا تخرج عن عاداتك وأسلوب حياتك كي تكون نسخة أخرى غير موفقة ممن هم ليسوا أنت.
ثمة حقيقة مرة: بعض الناس ترهقه مسألة المظاهر إلى درجة الاستدانة، أو حمل النفس ما لا طاقة لها به. موظف يقضي عمره في سداد أقساط سيارة فارهة لا يحتاجها، سيدة تبالغ في شراء حقيبة باهظة الثمن تعادل راتبها لعدة أشهر، عائلة محدودة الدخل تزف ابنها فتنفق ما لا تملك وتتحمل ديوناً ثقيلة من أجل ليلة واحدة، وشباب وشابات يتشبهون بكبار الأغنياء في بلدان لا تشبه بلادهم ولا تعرف عاداتهم. لماذا كل هذا؟ وما الفائدة؟ وما النتيجة؟
الحقيقة أن النفس البشرية ضعيفة أمام الإغراءات، أمام النظرة التي تتوهّمها من الآخرين. يخبرنا علماء النفس أن البعض يعاني من فراغ داخلي فيحاول ملأه بالمظاهر، والبعض الآخر يظن أن القبول الاجتماعي يُشترى بالعلامات التجارية والسيارات الفارهة. لكن الحقيقة الأعمق أن الناس لا تبحث عن شنطتك ولا عن سيارتك، ولا عن قصرك أو كوخك. الناس تبحث عن طيبتك، عن أخلاقك، عن لطفك، عن ذلك الشعور الذي تتركه في قلوبهم حين تغادر. كن بخيلاً على ذاتك؟ لا، بل كن كريماً معها، كن أنت.
أن تتشبه بكبار الأغنياء أمر متعب، وأن تكون بخيلاً على نفسك فتمنعها من أن تكون هي ذاتها، أمر متعب أيضاً.
في النهاية، الكل يبحث عنك، أنت الحقيقي، لا عن صورة زائفة التصقت بك من الخارج. تعامل مع الحياة بطبيعتك، فالكل يعرفك جيداً ويفهمك جيداً، وهو ما ينطبق على الرجال والنساء على السواء.
نعم، يمكنك أن تخلق حالة من الجمال حولك، أن تحسن اختيار ثيابك، أن تجمل بيتك، أن تطوّر أدواتك، لكن لا تتغير أنت. لأن الجمال الحقيقي ليس فيما ترتديه، بل فيما تبقيه في قلوب الآخرين بعد أن ترحل.