د. إبراهيم بن جلال فضلون
ليست كل ثورة تقنية انتصاراً للإنسان، فبعض الثورات تُربح الآلة وتُفقر العقل. فأخطر ما يمكن أن تفعله الحضارة الحديثة ليس أن تستبدل العضلات بالآلات، بل أن تستبدل العقول بالخوارزميات، فمنذ الثورة الصناعية الأولى اعتادت البشرية الاحتفاء بكل تقنية جديدة بوصفها خطوة إضافية نحو التقدم، وكذا مع كل موجة ابتكار كان السؤال السائد يتمحور حول سرعة التبني، لا حول حدود الاستخدام، لكن التاريخ يعلمنا أن بعض الاختراعات لا تكشف آثارها الحقيقية إلا بعد سنوات من اندماجها الكامل في المجتمع. واليوم يقف العالم أمام لحظة مشابهة مع الذكاء الاصطناعي، فبعد سنوات قليلة فقط من انتقالنا من التعليم التقليدي إلى التعليم الرقمي، لاسيما بعد جائحة كوفيد 19، ثم إلى التعليم المدعوم بالخوارزميات، بدأت تظهر في الغرب حركة مراجعة فكرية وأكاديمية متنامية تتساءل عمّا إذا كان العالم قد اندفع بسرعة مفرطة نحو تسليم جزء من عملية بناء العقل البشري إلى أنظمة لم تُختبر آثارها طويلة المدى بعد.
لم يعد السؤال: كيف ندمج الذكاء الاصطناعي في المدارس؟، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أدخلناه إلى عقول الأطفال قبل أن نفهم تماماً ما الذي يمكن أن يفعله ذلك المُخدر بعقول أجيالنا القادمة؟
وطوال العقد الماضي روجت شركات التكنولوجيا الكبرى لفكرة جذابة للغاية، أن كل طفل سيحصل على تعليم مصمم خصيصاً له، وكل طالب سيتعلم وفق سرعته الخاصة، وكل معلم سيحصل على مساعد رقمي لا ينام ولا يمل. فكانت الفكرة تبدو مثالية إلى حد يصعب مقاومتها، لكن يقف خلف هذه الصورة الوردية التي بدأ عدد متزايد من الباحثين يلاحظها، أن ما يحدث يتجاوز حدود «التخصيص التعليمي» نحو ما يمكن تسميته بـ»الاستعمار المعرفي الناعم».
ففي المراحل المبكرة من النمو العقلي لا يكون الهدف الحقيقي من التعليم هو الوصول إلى الإجابة الصحيحة، بل بناء آليات ذهنية تُمكن الطفل من الوصول إليها بنفسه، وهنا نرى ما يُسمى في علوم الإدراك باسم «التفريغ المعرفي»، ويعنى نقل الجهد الذهني من الدماغ إلى أداة خارجية.
قد يكون هذا مفيداً لشخص بالغ يستخدم تطبيقاً للملاحة أو آلة حاسبة، لكنه يصبح مصيبة لطفل لم تكتمل بناء بنيته المعرفية الأساسية، فالعقل يشبه العضلة، فلا يمكن استعارة عضلات شخص آخر لبناء قوتك البدنية، كما لا يمكن استعارة عمليات التفكير من خوارزمية لبناء عقل مستقل، وبالتالي فالطفل الذي لم يتعلم بعد كيف يفكر لا ينبغي أن يحصل على أداة تفكر نيابة عنه، لأنه ببساطة الذكاء الاصطناعي لا يقدم المعرفة فقط، بل يقدم الراحة المعرفية، فيتوقف عقل الطفل عن التفكير، وعندما تصبح الإجابة متاحة بضغطة زر، تبدأ مهارات البحث والاستدلال والتحليل في التراجع تدريجياً. وهكذا يتحول التعليم من عملية بناء للعقل إلى عملية استهلاك للمخرجات.
إن التحدي لا يتوقف عند الإدراك، بل يمتد إلى بنية المشاعر نفسها، فالجيل الجديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يقدم المعلومات فقط، بل يحاكي العلاقات الإنسانية (يُصغ – يمدح - يتذكر – ويتعاطف – ويتفاعل) بلغة صُممت بعناية لإشعار المستخدم بأنه مفهوم ومقدر. حينها يبدأ القلق الحقيقي.
ويصبح الروبوت أكثر صبراً من المعلم، وأكثر استجابة من الوالدين، وأكثر حضوراً من الأصدقاء، والنتيجة أن الطفل يتعامل مع بديل عاطفي محتمل، حذر منه علماء النفس العصبي من أن: «هذه الديناميكية قد تعيد تشكيل أنماط الثقة والانتماء والارتباط الاجتماعي لدى الأجيال الجديدة». وبالتالي فإننا لا نواجه مجرد أداة تعليمية، بل نواجه منافساً جديداً في عملية تشكيل الذات الإنسانية.
ففي عالم السياسات العامة لا تكفي المخاوف النظرية، فالأدلة هي الفيصل، فقد بدأت مؤشرات من مؤسسات بحثية غربية تنبه من صورة أكثر تعقيداً مما تعرضه الحملات التسويقية لشركات التكنولوجيا، حيثُ حذرت دراسة صادرة عام 2025 عن معهد MIT من أن الاعتماد المُكثف على النماذج اللغوية الكبرى قد يؤدي إلى أنماط من الضمور المعرفي، وتراجع المشاركة الذهنية الفعلية في عمليات التفكير والكتابة والتحليل. بل وأظهرت بيانات Education Week التي تابعت استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أكثر من 1300 منطقة تعليمية أمريكية، أن ما يقارب 20 % من التفاعلات ارتبط بسلوكيات إشكالية مثل الغش الأكاديمي والتنمر والإيذاء النفسي، وذلك يعني أن واحداً من كل خمسة استخدامات تقريباً كان مرتبطاً بمشكلة تربوية أو سلوكية.
وكذلك نرى تقرير U.S. PIRG بأن مبيعات أجهزة Chromebook قفزت بنسبة 287 % خلال ذروة التوسع الرقمي في فترة الجائحة، لكن الأهم من ذلك أن دراسات لاحقة أظهرت أن الطلاب الذين اعتادوا الاعتماد على المساعدات الذكية في حل المسائل المُعقدة أصبحوا أقل قدرة على الاستمرار عندما تُرفع عنهم تلك المساعدة. فكانوا (أكثر ميلاً للاستسلام، وأقل قدرة على المثابرة، وأضعف تحملاً للفشل المؤقت)، وهي صفات تمثل في جوهرها الأساس الحقيقي لأي تعلم عميق ومستدام. أما مشروع «التحليل الاستباقي للمخاطر» الذي أجرته مؤسسة بروكينغز واستند إلى مئات المقابلات ومراجعة مئات الدراسات، فقد خلص إلى نتيجة لافتة مفادها أن الاستخدام غير المنضبط لهذه الأدوات قد يقوض التطور التأسيسي للأطفال.
وفي كل ثورة تقنية يبرز سؤال المصالح، من يربح؟، ومن يضع القواعد؟، ومن يكتب التشريعات؟، ومن يملك القدرة على تعريف المشكلة والحل في الوقت نفسه؟.
لقد بدأت في الولايات المتحدة حركات مقاومة منظمة يقودها أولياء أمور ومعلمون ومختصون، مطالبة بإعادة النظر في الاندفاع غير المشروط نحو الذكاء الاصطناعي داخل المدارس، لا ترفض التكنولوجيا، بل ترفض تحويل التعليم إلى سوق أسيرة لشركات التكنولوجيا العملاقة. فالمدرسة ليست منصة إعلانية، وليست مختبراً تجارياً، وليست قناة توزيع لمنتجات الشركات، التي تُمول المبادرات التدريبية والمنح والزمالات الموجهة لصناع القرار في قطاع التعليم، حتى يُصبح من المشروع التساؤل حول حدود تضارب المصالح. والتاريخ يعلمنا أن الصناعات الكبرى نادراً ما تطلب التنظيم الذاتي عندما تكون أرباحها على المحك.
وفي الوقت الذي يراجع فيه الغرب بعض افتراضاته المبكرة، تعيش دول الخليج العربي مرحلة مختلفة تماماً، فالسعودية والإمارات تقودان استثمارات ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ضمن رؤى وطنية طموحة تستهدف تعزيز التنافسية العالمية، وهو توجه صحيح وضروري. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تبني التكنولوجيا، بل في تحديد موقعها الصحيح داخل مشروع بناء الإنسان. وهُنا نرى الفرق الكبير بين استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير الخدمات الحكومية والصناعات المتقدمة، وبين تحويله إلى وسيط دائم بين الطفل وعملية التعلم.
وهنا يأتي مفهوم «السيادة المعرفية»، مثلما تتحدث الدول عن السيادة الغذائية والسيادة الرقمية والسيادة الطاقوية، فلابد أن نتحدث أيضاً عن سيادة العقل، وعن الاعتماد الكامل على منصات عالمية صممت في بيئات ثقافية مختلفة عنا وعن تقاليدنا وعاداتنا، ولُغتنا العربية والخصوصية.
فليس المقصود الانغلاق أو رفض التعاون العالمي، بل ضمان ألا تتحول المدرسة العربية إلى مُستهلك سلبي لمنظومات معرفية صُممت خارج سياقها الحضاري، فهل نمتلك شجاعة الكوابح الذكية؟. وربما حان الوقت للتفكير في «وثيقة حقوق التكنولوجيا للطفل العربي» التي تضمن حقه في بيئة تعليمية متوازنة، وحقه في القراءة الورقية، وحقه في فترات خالية من التحفيز الرقمي المفرط.
وقفة:
الأمم لا تتراجع لأنها تأخرت في اقتناء التكنولوجيا، بل تتراجع عندما تتخلى مبكراً عن بناء الإنسان، وقد بدأ الغرب بالمراجعة، فهل العالم العربي فكر فيها؟!. إن المعركة الحقيقية في القرن 21 لن تكون على من يملك أقوى خوارزمية، بل على من ينجح في الحفاظ على إنسانه.