أوس أبو عطا
تتجلى صورة المرأة العربية كرافد حيوي للعلم والأدب والثقافة، فقد تحدّت حدود الزمان والمكان لتثبت أن حضورها في الثقافة ليس تقليدياً، بل تأثيره فاعل وعميق ومهم في صياغة الحضارة العربية ككل.
ولو ذكرنا لُمع من أخبار وسيرة سُكينة بنت الحسين، فحدث ولا حرج عن زينتها وترفها وبذخها، وقد كتبت عائشة عبد الرحمن الملقبة بنت الشاطئ (1912-1998) كتاباً ذاع صيته عن سكينة بنت الحسين تحدثت فيه عن محاسنها ومناقبها وفضائلها وثقافتها العالية، وعنونت الكتاب باسمها رحمها الله «سُكينة بنت الحسين».
يقول صاحب «الأغاني» أبو الفرج الأصفهاني في الجزء العاشر من كتابه: «كانت السيدة سكينة عفيفة برزة من النساء تجالس الأجلّة من قريش ويجتمع إليها الشعراء».
وكان لها ذوق جيد في الشعر، حيث إنها كانت تنقد الشعراء وتفاضل بينهم، وكان أشعب مضحك أهل المدينة يزورها كثيراً لإضحاكها وجلب السرور إليها، ومن خير ما يصور ترفها تلك القصة المشهورة التي رويت عنها في أكثر من موضع وكتاب أنها عندما حجّت، ورمت الجمار، سقطت من يدها الحصاة السّابعة، فرمت بخاتمها! ويروى أنها استبدلت مالها بالزوراء بقصر في العقيق يسمى «البريدي»، فلما سال العقيق خرجت ومعها جواريها تمشي حتى جاءت السيل، فجلست على جرفه، ومالت برجلَيها في السيل، ثم قالت: والله لهذه الساعة في هذا القصر خير من الزوراء.
ومن أشهر ما روي أنها توفيت، فلم تدفن في اليوم نفسه، فاشتروا لها عوداً من الطيب بأربعمائة دينار ظل مشتعلاً بجوارها طوال الليل حتى يعبق الجو من حولها بالأريج.
وفي سياق متصل، يورد الدكتور إحسان النّص في كتاب «اختيارات من كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني»، قصة مهمة جداً، تدلل على الثقافة الباسقة والعميقة والذائقة الشعرية القوية لحفيدة النبي - عليه أفضل السلام وأتم التسليم -، سكينة بنت الحسين، سيدة المال والجمال في الحجاز، التي ارتقت إلى منزلة عالية من الأدب والعلم والفهم. يذكر الأصفهاني أن الفرزدق بعدما قضى حجّه في مكة المكرمة، توجه نحو المدينة المنوّرة لزيارة سكينة بنت الحسين، وبعد أن ألقى عليها التحية؛ سألتهُ: من أشعر الناس؟ قال الفرزدق: أنا. قالت كذبت، أشعر منك الذي يقول:
بِنَفسِيَ مَن تَجَنُّبُهُ عَزيزٌ
عَلَيَّ وَمَن زِيارَتُهُ لِمامُ
وَمَن أُمسي وَأُصبِحُ لا أَراهُ
وَيَطرُقُني إِذا هَجَعَ النِيامُ
وكانت تقصد الشاعر جرير خصمه اللدود.
عندما عاد في اليوم التالي، سألته ذات السؤال وأجاب بنفس الإجابة، وقال لها: «والله لو أذنتِ لي لأسمعتكِ أحسن منه. فردّت عليه، صاحبك جرير أشعر منك، حيث يقول:
لَولا الحَياءُ لَعادَني اِستِعبارُ
وَلَزُرتُ قَبرَكِ وَالحَبيبُ يُزارُ
وتكرر ذات السؤال ونفس الإجابة في اليوم التالي، وأسمعت سكينة الفرزدق ما يقول جرير:
إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ
قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا
يَصرَعنَ ذا اللُبَّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ
وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا
وكما هو سائد، فإن هذي الأشعار اعتبرها النقاد من أجمل أبيات الشعر العذري، ومن الملاحظ الانحياز الكامل لسيدة المجتمع القرشي سكينة بنت الحسين لِشِعر جرير وتفضيلها له على الفرزدق أو أي شاعر آخر كالأخطل، فالثلاثة كانوا رؤوس الشعر في العصر الأموي كما هو معروف.
تزوّجت سُكينة بنت الحسين عبداللهَ بن الحسن بن علي وهو أوّل أزواجها، ولما قُتل مع أبيها، تزوجت بعده مصعب بن الزبير، فأمهرها ألف ألف درهم (مليون درهم) كما أمهر عائشة بنت طلحة نفس المبلغ. ولما قُتل، تزوجت عبد الله بن عثمان الخزامي، ثم زيد بن عمرو بن عثمان، ثم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان. وقد كانت سُكينة وعائشة بنت طلحة من سيدات نساء عصرهن ملاحةً وظرفاً وأناقةً، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفهن بربّات الجمال والمال.