د. طارق بن محمد بن حزام
تُعد الأمثال الشعبية من أبرز مكونات الذاكرة الثقافية للمجتمعات، فهي خلاصة تجارب إنسانية تراكمت عبر الأجيال، وصيغت في عبارات موجزة يسهل تداولها واستحضارها في المواقف المختلفة. وقد أسهمت هذه الأمثال في نقل الخبرات والقيم وتشكيل جانب من الوعي الاجتماعي، حتى أصبحت جزءًا من الثقافة اليومية التي تؤثّر في طريقة التفكير والنظر إلى الحياة.
غير أن الأمثال الشعبية، على ما تحمله من حكمة وتجربة، ليست بمنأى عن النقد والمراجعة؛ إذ إن بعضها قد يُفهم أو يُوظَّف على نحوٍ يبتعد عن مقصده الأصلي، فيتحول من أداة للإرشاد إلى وسيلة لتبرير سلوكيات أو قناعات لا تخلو من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.
فالمثل الشعبي ليس مجرد عبارة متداولة، بل هو انعكاس لظروف اجتماعية وثقافية وتاريخية معينة. وحين يُنتزع من سياقه أو يُعمَّم على جميع الأحوال، قد يفقد شيئًا من دقته، ويتحول في أذهان البعض إلى قاعدة ثابتة لا تقبل المراجعة أو الاستثناء.
ومن الأمثلة على ذلك قولهم: «على قدر لحافك مدّ رجليك»، وهو مثل يدعو في أصله إلى التوازن وعدم تجاوز الإمكانات، إلا أنه قد يُستخدم أحيانًا لتبرير الجمود وتثبيط الطموح. وكذلك المثل القائل: «تمسكن حتى تتمكن»، الذي قد يُفهم بوصفه دعوة إلى الحكمة والتريث، لكنه يُستحضر أحيانًا لتبرير الخداع وإخفاء النوايا. كما تُستعمل بعض الأمثال لتبرير التزلّف أو التنصل من المسؤولية أو الاستسلام للواقع، في حين أن مقاصدها الأصلية قد تكون مختلفة عن تلك الاستخدامات. ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين الحكمة الكامنة في المثل وبين الممارسات التي تُبرَّر باسمه.
ولا يقتصر أثر الأمثال على الأفراد فحسب، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي. فبعض الأمثال قد تُرسخ صورًا ذهنية سلبية عن العلاقات الاجتماعية، أو تُعزز الفردية المفرطة، أو تدفع إلى سوء الظن بالآخرين عند تعميمها دون نظر إلى اختلاف الأشخاص والظروف. كما أن بعض العبارات المتداولة قد تُستخدم لتبرير الصمت عن الخطأ أو الإحجام عن المبادرة، مع أن الواقع أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في عبارة موجزة مهما بلغت بلاغتها.
إن المشكلة ليست في الأمثال الشعبية ذاتها، فهي جزء من التراث الثقافي الذي يستحق الاحترام والدراسة، وإنما في طريقة التعامل معها. فالمثل تجربة بشرية قابلة للفهم والتأويل، وليس حقيقة مطلقة تصلح لكل زمان ومكان. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة واعية تستفيد من الحكمة التي تحملها الأمثال، دون أن تجعل منها سلطة فكرية تُعطل النقد والتفكير.
ختامًا، تبقى الأمثال الشعبية رصيدًا ثقافيًا يعكس تجارب الأجيال وخبراتها، غير أن قيمتها الحقيقية تكمن في حسن فهمها وتوظيفها. فليست كل عبارة متداولة صالحة لكل زمان ومكان، وإنما العبرة بسلامة المعنى وصحة الأثر؛ ليبقى التراث مصدرًا للحكمة والإلهام لا قيداً على الفكر والإبداع.