د. علي بن عالي السعدوني
هناك رجال يشغلون المناصب لسنوات طويلة ثم يغادرونها دون أن يتركوا أثرًا يتجاوز حدود القرارات الإدارية والأعمال الروتينية المعتادة، وهناك رجال يرتبط حضورهم بقضايا الوطن الكبرى ومعاركه الفكرية وتحولاته المهمة، فتغدو أسماؤهم جزءًا من الذاكرة الوطنية المرتبطة بمواقف واضحة ورؤى صريحة ومسارات ثابتة لا تتغير بتغير الظروف ولا تتبدل بتبدل المزاج العام، ويأتي معالي الدكتور عبداللطيف آل الشيخ في طليعة هذه النماذج التي ارتبط اسمها بالدفاع عن الوطن وحماية وعي المجتمع وتعزيز قيم الاعتدال والانتماء والولاء للدولة ومؤسساتها الشرعية.
لقد قدم المعالي خلال سنوات عمله صورة المسؤول الذي ينظر إلى المنصب بوصفه أمانة ومسؤولية تتجاوز حدود المكاتب والاجتماعات والتصريحات الرسمية صورة المسؤول الذي يرى أن خدمة الوطن لا تقتصر على إدارة الملفات اليومية أو متابعة الأعمال التنفيذية، وإنما تمتد إلى حماية العقول من الأفكار المنحرفة، وصيانة المجتمع من الخطابات التي تسعى إلى تمزيق وحدته، وتعزيز الثقة بين المواطن ووطنه عبر خطاب واضح لا يعرف التردد ولا يجامل في القضايا التي تمس أمن البلاد الفكري واستقرارها الاجتماعي.
ولم يكن الدكتور عبداللطيف آل الشيخ من الشخصيات التي تبحث عن المناطق المريحة أو العبارات التي ترضي جميع الأطراف في وقت واحد، بل عُرف بوضوحه وصراحته وميله إلى المكاشفة؛ لأن الحقيقة في نظره تكتسب قيمتها من قدرتها على كشف الخلل ووضع اليد على مواطن الخطر والتنبيه إلى ما ينبغي الانتباه إليه قبل أن تتسع دوائره وتتعاظم آثاره داخل المجتمع.
ويبدو واضحًا لمن يتابع المسيرة الوطنية عند الدكتور عبداللطيف آل الشيخ أنها ليست شعارًا يُرفع في المناسبات أو عبارة تُردد في الخطب واللقاءات العامة، بل هي ممارسة يومية وموقف مستمر ورؤية متكاملة تنطلق من الإيمان بأن الوطن هو المظلة الجامعة التي تستوعب الجميع وتحفظ الحقوق وتصون المكتسبات وتوفر الأمن والاستقرار، وأن أي مشروع يحاول إضعاف هذه المظلة أو منافستها أو صناعة ولاءات بديلة عنها يمثِّل خطرًا يستحق المواجهة الفكرية والتوعية المستمرة وكشف مخاطره أمام الناس بكل وضوح.
كما أن حرصه على الدين لم يكن حرصًا عاطفيًا عابرًا، وإنما حرص قائم على فهم عميق لمكانة الدين ورسالة الإسلام السامية التي تدعو إلى الوسطية والاعتدال وتحقيق مصالح الناس وحفظ أوطانهم وتعزيز تماسك مجتمعاتهم، ولذلك ظل يؤكد في مختلف مواقفه أن الدين أكبر من أن يُختزل في جماعة، وأوسع من أن تحتكره فئة، وأعظم من أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق مكاسب أو نفوذ أو مصالح خاصة.