د. طلال الحربي
لا تولد الدول من فراغ، بل تولد من شروط تاريخية وحضارية وإنسانية تمنحها عمقاً داخلياً يجعل وجودها قائما بذاته، مستمداً شرعيته من انتمائه لا من قوة تسنده من الخارج. وحين يغيب هذا العمق الداخلي، لا تنشأ دولة بالمعنى الحقيقي، بل ينشأ كيان مأزقي يعيش على فوبيا التهديد، ويتحصّن بمنطق القوة لأنه يفتقر إلى قوة المنطق.
وما الكيان الإسرائيلي في جوهره العميق إلا نموذج صارخ لهذا النوع من الوجود الخائف، الذي لا يعرف الاطمئنان لأن أساسه نفسه لم يُبنَ على الاطمئنان.
المفارقة الكبرى التي تغيب عن كثير من التحليلات المتداولة هي أن قيام إسرائيل لم يكن تعبيراً عن تأييد أوروبي لليهود، بل كان في جوهره العميق فعلاً عدائياً بامتياز، نُفِّذ بأسلوب التفريغ الجغرافي.
فحين تنقل أوروبا جماعاتها المهمشة والمرفوضة اجتماعياً وتسكنها في قلب منطقة عربية يسكنها شعب أصيل، فإنها لا تحلّ مشكلتها بل تُصدّرها جغرافياً، وتضمن لليهودي الأوروبي مستقبلاً من الصراع الدائم بدل أن تمنحه سلاما حقيقياً. وقد أدرك كارل ماركس هذه المعضلة بصياغة مختلفة حين رأى أن تحرير اليهود لا يكون إلا بتحريرهم من الوظيفة الاجتماعية التي حبستهم فيها أوروبا، لا بنقلهم من محيط يرفضهم إلى آخر سيرفضهم بصورة أكثر دموية وأشد ديمومة.
وقد أدركت بريطانيا بعبقرية استعمارية حين وعدت بالأرض لمن لا يملكها لمن لا يستطيع أن يعيش عليها وحده، أنها تزرع في الشرق العربي جذوة صراع لن تنطفئ، لأن الاستعمار حيثما حلّ وارتحل ترك وراءه جرحاً مفتوحاً يسوّغ عودته أو يضمن ديمومة نفوذه. وهكذا تحوّل اليهودي الأوروبي من مهمش مرفوض في مجتمعه إلى أداة لا تعرف أنها أداة، تُنجز مهمة الاستعمار وتدفع ثمنها وجوداً قلقاً لا تعرف له نهاية.
والكيان الذي ينشأ على هذه الشاكلة محكوم عليه بأن يعيش مأزقه الوجودي لا مشكلته السياسية.
والفرق بين المأزق والمشكلة فرق جوهري في علم السياسة: فالمشكلة لها حل، أما المأزق فهو الحالة التي تصبح فيها كل الحلول الممكنة مستحيلة والحلول المستحيلة وحدها واقعية. وهذا بالضبط ما يعيشه الكيان الإسرائيلي: الحل بدولتين يعني تقليص الوجود والاعتراف بشرعية الآخر، والحل بدولة واحدة ثنائية القومية يعني ذوبان الهوية الصهيونية في ديموغرافيا لا يسيطر عليها، والتهجير الكامل جريمة إنسانية لا تستطيع أي قوة عالمية أن تسانده عليها علناً. وبين هذه الحلول الثلاثة المستحيلة يقف الكيان عاجزاً عن الاختيار، فيلجأ إلى تأجيل المأزق بمزيد من القوة، وكل تأجيل يزيد المأزق عمقاً.
ولعل أبلغ تعبير عن هذا الاستعصاء هو ظهور اليمين المتطرف بصورة شبه دورية كلما شعر الكيان بضغط وجودي. فصعود التطرف في أي سياق تاريخي ليس حادثة عرضية، بل هو أعراض مأزق عميق يعجز العقل السياسي المعتدل عن معالجته. واليمين الإسرائيلي المتطرف لا يقترح حلاً، بل يعبّر عن استحالة الحل بأسلوب العنف، إذ يستعيض عن غياب الشرعية التاريخية بحضور القوة الميدانية، معتقداً أن ما لم يُبنَ بالمنطق يمكن أن يُصان بالبندقية. وهذا الاعتقاد هو بالتحديد وهم الكيانات العاجزة عن قراءة حركة التاريخ.
فمنطق القوة بطبيعته سلاح متآكل، لأنه لا يُنتج قناعة بل يُنتج خضوعاً مؤقتاً ريثما تنشأ قوة مضادة تفوقه أو تعادله.
وحين يستشعر الصهيوني أن معادلة القوة التي اعتمد عليها تتزعزع، لا يجد في ذهنه أدوات إلا التمسك بها بصورة أشد عنفاً. غير أن المعطيات الإقليمية والدولية تشير إلى أن الفضاء الذي كان يتيح لهذه القوة الانفراد آخذ في الضيق، وأن الرأي العام العالمي الذي كان يمكن التحكم فيه عبر خطاب الاضطهاد التاريخي قد بات أكثر قدرة على رؤية مفارقة المضطَهَد الذي يُمارس الاضطهاد.
أما القضية الفلسطينية فتحتوي في داخلها ثلاثة مستويات متمايزة تخلط بينها كثير من الخطابات السياسية: القضية الفلسطينية بوصفها مبدأ أخلاقياً يتمحور حول حق العودة لشعب طُرد من أرضه وهو مبدأ لا قابلية للتفاوض على جوهره، والمشكلة الفلسطينية بوصفها معضلة قانونية وسياسية ذات طرفين تستدعي حلاً تفاوضياً وهي ما تتعامل معه الأسرة الدولية في الغالب، والمأزق الإسرائيلي بوصفه أزمة وجودية داخلية لا يستطيع الكيان أن يخرج منها بأدواته الراهنة. والفشل في التمييز بين هذه المستويات الثلاثة هو ما يجعل كل محاولات التسوية تنتهي إلى طريق مسدود.
وفي المحصلة، فإن إسرائيل ككيان لا تعاني من خصوم خارجيين بالدرجة الأولى، بل تعاني من تناقض تأسيسي لم يُحسم يوم نشأت، وكل ما يُعبَّر عنه اليوم من عنف أو توسع أو رفض للحلول ليس سياسة واعية بل هو محاولة غرائزية لتأجيل المواجهة مع هذا التناقض. وحين تنتهي مرحلة الإيديولوجيات الكبرى وتحل محلها الممارسة الواقعية كما تشير إليه التحولات الدولية الراهنة، فإن الكيانات التي لا تملك شرعية داخلية تصبح عرضة لحركة التاريخ لا حاملة لها. وليس في هذا حكم معياري بقدر ما هو استنتاج منهجي: الوجود الذي لا ينتمي إلى شروط حضوره الداخلية لا يستطيع أن يستمر إلى ما لا نهاية، مهما بلغت القوة التي تسنده من الخارج.