فيصل بن أحمد الشميري
ليست الأوطان العظيمة تلك التي تملك الثروات فحسب، بل تلك التي تملك القدرة على صيانة ثرواتها، وإدارة مواردها، وتأمين غذائها، وصناعة مستقبلها بيدها. وفي زمنٍ أصبحت فيه سنبلة القمح لا تقل أهمية عن برميل النفط، وقطرة اللبن لا تقل أهمية عن قطرة الدم، وأضحى الأمن الغذائي رديفاً للأمن الوطني والقومي، وغدت المعرفة الزراعية والغذائية إحدى أدوات القوة الناعمة والصلبة معاً، وهنا يبرز اسم كلية علوم الأغذية والزراعة بجامعة الملك سعود بوصفه اسماً لا ينتمي إلى هامش التنمية، بل إلى قلبها النابض، ولا يقف عند حدود التعليم ونقل المعرفة وتوطينها، بل يمتد إلى فضاءات السيادة والاستدامة وصناعة المستقبل. فالأمم اليوم لا تُقاس بما تستهلك، بل بما تنتج. ولا تقدر قوتها بما تستورد، بل بما تستطيع أن توفره لشعوبها في أوقات الرخاء والشدة على حدٍ سواء، في ظل تقلبات جيوسياسية مُحيطة بنّا.
ومن هنا تأتي القيمة الاستراتيجية لهذه الكلية العريقة التي لم تكن يوماً مجرد مبانٍ ومعامل وقاعات ومحاضرات، بل كانت على امتداد تاريخها مصنعاً للعقول، ومختبراً للحلول، ومنارةً للبحث العلمي المتميز، وحصناً من حصون الأمن الغذائي الوطني والقومي.
لقد أدركت المملكة العربية السعودية مبكراً منذ منتصف ستينات القرن الماضي، بأن معركة المستقبل لن تكون معركة حدود بقدر ما ستكون معركة موارد، وأن التحدي الحقيقي لن يكون في امتلاك الغذاء فحسب، بل في القدرة على إنتاجه واستدامته وتأمينه في عالم تتقلب فيه الأسواق، وتتعاظم فيه الأزمات، وتتسارع فيه التغيرات المناخية والبيئية. وهنا يبرز الدور المحوري للكلية بوصفها الذراع العلمي التي يمدُّ الوطن بالمعرفةِ والخبرة والحلول، ويسهم في تعزيز الإنتاج الزراعي والحيواني والغذائي أفقياً وعمودياً، وتدفع بعجلة التنمية نحو آفاق أكثر أمناً واستدامة.
فإن كانت الحقول تُنبت الزرع والحبوب، فإن الجامعات تُنبت الرجال والعقول، الخبرات والكفاءات، ومن هذا المنطلق تمثل الكلية أحد أهم الروافد الوطنية لإعداد الكفاءات المتخصصة في مجالات الأغذية والزراعة والموارد الطبيعية والإنتاج الحيواني والتقنيات الحيوية والهندسة الزراعية والهندسة الحيوية والتصنيع الغذائي وصحة النباتات، وغيرها من التخصصات الدقيقة التي أصبحت اليوم لغة العصر ومفاتيح المستقبل. إنها لا تخرّج كوادر يبحثون عن فرص العمل فحسب، بل تصنع خبراء يقودون قطاعات كاملة، وباحثين يطورون الحلول، ورواد أعمال يؤسسون مشاريع نوعية، ومسؤولين مشهود لهم بالكفاءة العالية، بل تسهم ايضًا في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته.
وإذا كانت بعض الكليات تُخرّج أفراداً، فإن كلية علوم الأغذية والزراعة تُخرّج منظومات تأثير، فكل خريج منها يحمل معه علماً ينعكس على المجتمع والمزرعة والمصنع والسوق والمستهلك والصحة والبيئة والاقتصاد الوطني في آن واحد. ولهذا تتجاوز آثارها أسوار الجامعة لتصل إلى كل بيت ومزرعة ومنشأة ومستهلك في هذا الوطن الكبير، في الريف أو الحضر.
ولأن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن هوية المجتمع، فإن الكلية تؤدي دوراً حضارياً يتجاوز الوظيفة الأكاديمية التقليدية. فهي تسهم في ترسيخ العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين المجتمع وموارده الطبيعية، وبين الحاضر وجذوره التاريخية. فالزراعة ليست مجرد إنتاج غذاء؛ إنها ثقافة وهوية وموروث وحضارة. وكل شجرة تُغرس بعلم، وكل مزرعة تُدار بمعرفة، وكل مورد يُستثمر بحكمة، هو امتداد لقصة وطن ظل عبر تاريخه مرتبطاً بالأرض والعمل والإنتاج.
وفي عصر الثورة الصناعية الرابعة، حيث يتداخل الذكاء الاصطناعي مع الزراعة، وتلتقي البيانات الضخمة مع الإنتاج الغذائي، وتتسابق الأمم نحو الزراعة الذكية، والزراعة الدقيقة، تقف الكلية في طليعة المؤسسات الأكاديمية التي تنقل المعرفة العالمية إلى البيئة المحلية وتطوع التقنية لخدمة الواقع الوطني. فهي لا تواكب المستقبل فحسب، بل تشارك في صناعته، وتعمل على بناء جيل جديد من المختصين القادرين على إدارة الزراعة الحديثة بمنطق العلم لا بمنطق التجربة وحدها، وبأدوات التقنية لا بوسائل الأمس فقط.
وعندما نتحدث عن الاقتصاد الوطني، فإن الحديث عن كلية علوم الأغذية والزراعة يصبح حديثاً عن إحدى المؤسسات التي تسهم بصورة مباشرة في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. فالصناعات الغذائية، وسلاسل القيمة الزراعية، والاستثمارات الحيوانية، والتقنيات الزراعية الحديثة، والمنتجات ذات القيمة المضافة، كلها مجالات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما تنتجه الكلية من معرفة وما تقدمه من بحوث وما تؤهله من كوادر.
ومن هنا تصبح مساهمتها الاقتصادية أكبر من أن تُقاس بعدد الملتحقين أو الخريجين أو البحوث؛ لأنها تمتد إلى تعزيز الأمن الاقتصادي الوطني ذاته والذي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري والأمن الفكري، بل أكاد أجزم أنه الأهم منهما على الإطلاق.
أما في مجال الموارد الطبيعية، فإن الكلية تمثل مدرسة وطنية في ترشيد الاستخدام وتعظيم الكفاءة، ففي بيئة تتعامل مع المياه بوصفها ثروة استراتيجية، ومع التربة بوصفها مورداً ينبغي صونه، ومع البيئة بوصفها أمانة للأجيال القادمة، تعمل الكلية على تطوير الحلول التي تحقق أعلى إنتاجية بأقل استهلاك، وأفضل عائد بأعلى درجات الاستدامة، وهنا تتجلى قيمة العلم حين يتحول إلى أداة لحماية الموارد لا لاستنزافها، ولتنميتها لا لإهدارها.
ولأن الغذاء ليس وفرة فحسب بل قيمةً وعمرًا وجودةً وسلامةً وصحةً، فقد لعبت الكلية دوراً رائداً في تطوير علوم الأغذية وتقنيات التصنيع الغذائي، والحفظ والتعبئة والتخزين، بما يسهم في رفع جودة المنتجات الغذائية وإطالة عمرها التسويقي وضمان سلامتها للمستهلك، وفي عالم تتعقد فيه سلاسل الإمداد وتتزايد فيه التحديات الصحية والغذائية، تصبح هذه الأدوار جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني الشامل. كما أن الكلية تقف في الصفوف الأولى للدفاع عن البيئة والتنوع الحيوي والاستدامة البيئية، فهي تدرك أن التنمية التي تستنزف البيئة ليست تنمية، وأن الإنتاج الذي يهدر الموارد ليس نجاحاً، وأن التقدم الحقيقي هو ذلك الذي يوازن بين احتياجات الحاضر وحقوق المستقبل، ومن هذا المنطلق تتبنى الكلية رؤية علمية متقدمة في المحافظة على النظم البيئية، وحماية التنوع الحيوي، وتعزيز الممارسات الزراعية المستدامة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية والعالمية نحو الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.
وفي مواجهة التغير المناخي والاحتباس الحراري، لا تقف الكلية موقف المتفرج على التحديات، بل تتحرك بوصفها جزءاً من الحلِّ، فمن مختبراتها ومعاملها وأبحاثها ومشاريعها تخرج المبادرات العلمية التي تسهم في التخفيف من آثار التغير المناخي والتكيف معه، وتطوير أنظمة إنتاج أكثر كفاءة وأقل أثراً وإجهادًا على البيئة، بما يجعلها شريكاً وطنياً أساسياً في بناء مستقبل أكثر استدامة وأمناً.
ولعل أحد أكثر أدوار الكلية تأثيراً يتمثل في رسالتها المجتمعية الواسعة، فهي بيت خبرة وطني، ومنصة للوعي، ومرجعية علمية للمزارع والمُربّي والمُستثمر وصانع القرار والمُستهلك على حدٍ سواء، تنشر المعرفة، وتقدم الاستشارات العلمية والعملية والفنية والتقنية، وتنفذ الدراسات، وتشارك في صياغة الحلول، وتبني الجسور بين الجامعة والمجتمع، وبين البحث العلمي واحتياجات التنمية الفعلية. تمثل الكلية وجهاً مشرقاً للحضور العلمي السعودي على المستوى الدولي، فمن خلال كوادرها الأكاديمية المتميزة، وإنتاجها البحثي الرصين والغزير، ونشرها العلمي في أرقى الأوعية العالمية، وشراكاتها الدولية، وبراءات اختراعها، ومساهماتها المعرفية، أصبحت إحدى المنصات التي تنقل اسم المملكة إلى ساحات التميز العلمي العالمي، وليس من قبيل المصادفة أن تحقق مراكزًا مُتقدمة عالمياً في عدد من المؤشرات والتصنيفات العلمية المعتمدة؛ فذلك نتاج عقود من العمل المؤسسي والتميز الأكاديمي والاستثمار في الإنسان والمعرفة.
إن الجامعات الكبرى في العالم لا تحافظ على مكانتها بالهياكل والمباني، وإنما تحافظ عليها بالكليات الاستراتيجية القادرة على إنتاج المعرفة وصناعة الحلول ومواجهة التحديات العالمية في اهم جزئية من احتياجات البشرية ألا وهو الغذاء، ومن هنا فإن كلية علوم الأغذية والزراعة بجامعة الملك سعود ليست مجرد كلية ضمن منظومة الجامعة، بل هي أحد أعمدتها الراسخة والعريقة، وأحد أسباب حضورها العلمي، وأحد روافع مكانتها الدولية.
ولو قُدِّر لمجتمعٍ أن يفقد مؤسساته العلمية المتخصصة ككلية علوم الأغذية والزراعة، فإنه لا يفقد قاعات دراسية أو برامج أكاديمية فحسب، بل يفقد جزءاً من قدرته على حماية غذائه وإدارة موارده وصناعة مستقبله، فالأمن الغذائي لا يُصنع في الأسواق، بل يبدأ في الجامعات والمختبرات ومراكز الأبحاث، ومع غياب هذه المنظومة تتراجع الكفاءات الوطنية، وتضعف القدرة على مواجهة الأزمات الغذائية والمناخية والآفات والأمراض، وتتسع فجوة الاعتماد على الخارج في المعرفة والتقنية والخبرة، حينها تصبح الدولة أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وأزمات الإمداد الغذائي والاحتكار العلمي، وتفقد أحد أهم مراكز إنتاج الحلول والابتكار، لذلك فإن المحافظة على كلية علوم الأغذية والزراعة وتطويرها ليست قضية أكاديمية، بل خيار استراتيجي يرتبط بأمن المجتمع واستقرار الاقتصاد وسيادة الوطن على موارده ومستقبله، ومن واجب الدولة أن تدعم وتشجع بالنهوض بهذه الكلية وإن ضحت اليوم فستحصد غدًا.
وفي النهاية، فإن الحديث عن كلية علوم الأغذية والزراعة هو حديث عن وطن يستثمر في العلم ليصنع أمنه، ويستثمر في الإنسان ليبني مستقبله، ويستثمر في المعرفة ليحفظ مقدراته، إنها ليست كلية تدرّس الزراعة فحسب، بل مؤسسة وطنية تزرع الأمن الغذائي، وتحصد التنمية الاقتصادية، وترعى الاستدامة البيئية، وتصنع الكفاءات، وتدعم الابتكار، وتؤسس لمستقبلٍ تكون فيه المملكة أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر حضوراً في ميادين التنافس العالمي، وأكثر رسوخاً في معادلة السيادة التي تبدأ من المعرفة وتنتهي إلى ازدهار الأوطان. وهكذا، إذا كانت بعض المؤسسات تُقاس بأعمارها، فإن هذه الكلية تُقاس بآثارها وتأثيرها، وإذا كانت بعض الإنجازات تُكتب في التقارير، فإن إنجازاتها تُكتب في أمن الوطن الغذائي، وفي استدامة موارده، وفي كفاءة أبنائه، وفي مكانة علمه، وفي مستقبل أجياله.
** **
باحث كلية علوم الأغذية والزراعة - جامعة الملك سعود