عبد الله سليمان الطليان
لخّص عالم النفس إريك إريكسون المراحل الأولى من نمو الإنسان في حقيقة جوهرية مفادها أن الطفل ينشأ إما بشعور راسخ بالثقة الأساسية، أو بإحساس عميق بعدم الثقة. وهذه النواة النفسية تتشكل منذ اللحظات الأولى للحياة، وتستمر في التكون خلال سنوات الطفولة المبكرة.
فالتربية العاطفية لا تُبنى عبر المواقف الكبرى وحدها، بل تتشكل من خلال التفاعلات اليومية الصغيرة بين الطفل ووالديه. فكل كلمة، وكل نظرة، وكل استجابة تحمل رسالة عاطفية ضمنية تترك أثرها في نفس الطفل. ومع تكرار هذه الرسائل عبر السنوات تتكون صورة الطفل عن ذاته وعن الآخرين وعن العالم من حوله.
فالطفلة التي تعجز عن حل لعبة بسيطة وتلجأ إلى أمها طلباً للمساعدة، لا تتلقى مجرد إجابة عن سؤالها، بل تستقبل رسالة عاطفية عميقة. فإذا قابلتها الأم بابتسامة وتشجيع، تعزز لديها الشعور بالأمان والكفاءة. أما إذا ردّت ببرود أو ضيق قائلة: «لا تزعجيني، فأنا مشغولة»، فإن تلك الرسالة تترك أثراً مختلفاً قد ينعكس لاحقاً على علاقاتها الإنسانية وثقتها بنفسها ونظرتها إلى الحياة.
وتزداد المخاطر عندما ينشأ الطفل في بيئة أسرية يفتقر فيها الوالدان إلى النضج الانفعالي، أو يعانيان الإدمان، أو يسيطر عليهما الغضب المزمن والفوضى واللامبالاة. فمثل هؤلاء الآباء غالباً ما يعجزون عن تلبية الاحتياجات العاطفية لأطفالهم أو الاستجابة لها بصورة صحية.
وقد أظهرت الدراسات أن الإهمال العاطفي قد يكون في كثير من الأحيان أشد تدميراً من الإساءة اللفظية المباشرة؛ إذ ينشأ الأطفال المهملون أكثر قلقاً واضطراباً وعدوانية وانسحاباً من الحياة، كما ترتفع بينهم معدلات الفشل الدراسي والتعثر الأكاديمي.
وتكتسب السنوات الثلاث أو الأربع الأولى من العمر أهمية استثنائية، إذ يتكون خلالها ما يقارب ثلثي حجم الدماغ، وتنمو الشبكات العصبية بمعدلات لا تتكرر في المراحل اللاحقة. وفي هذه الفترة تُغرس الأسس الأولى للتعلم، ويأتي التعلم العاطفي في مقدمة ما يكتسبه الطفل. كما أن الضغوط النفسية الشديدة خلال هذه المرحلة قد تؤثر سلباً في مراكز التعلم والانفعال في الدماغ، فتنعكس على القدرات العقلية والسلوكية مستقبلاً، وإن كان من الممكن التخفيف من بعض آثارها عبر الخبرات الإيجابية اللاحقة.
إن الدروس العاطفية المبكرة تترك بصمات عميقة على مسار الحياة. فالطفل الذي ينشأ عاجزاً عن التركيز، تغلب عليه الشكوك بدلاً من الثقة، والتشاؤم بدلاً من الأمل، والشعور بالتهديد بدلاً من الأمان، يجد نفسه أقل قدرة على اغتنام الفرص والاستفادة من الإمكانات التي تتيحها الحياة.
وقد أكدت الدراسات طويلة المدى أن العدوانية كثيراً ما تنتقل من جيل إلى جيل. ففي دراسة تابعت مئات الأطفال منذ طفولتهم وحتى مرحلة الرشد، تبين أن الأطفال الأكثر ميلاً إلى العنف والمشاجرات كانوا الأكثر عرضة للفشل الدراسي والانخراط لاحقاً في السلوك الإجرامي. كما ظهر أن كثيراً منهم أعادوا إنتاج الأنماط التربوية القاسية نفسها مع أبنائهم، لتستمر دائرة العنف عبر الأجيال.
ولا يعود ذلك بالضرورة إلى سوء نية الآباء أو افتقارهم إلى حب أبنائهم، بل إلى أنهم غالباً ما يكررون النموذج التربوي الذي نشأوا عليه في طفولتهم، فيمارسون ما تعلّموه دون وعي منهم بحجم آثاره.
ومن أخطر النتائج المترتبة على إساءة معاملة الأطفال تآكل قدرتهم الطبيعية على التعاطف. فالطفل الذي يتعرض باستمرار للضرب أو الإهانة أو التهديد يتعلم تدريجياً أن الألم جزء طبيعي من العلاقات الإنسانية، فيفقد حساسيته تجاه معاناة الآخرين.
وقد أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين نشأوا في بيئات آمنة ومليئة بالرعاية كانوا أكثر ميلاً إلى مواساة أقرانهم عند الحزن أو الألم، بينما بدا الأطفال الذين تعرضوا للإيذاء أكثر بروداً أو خوفاً أو حتى عدوانية تجاه من يعانون من الضيق. فهم يعاملون الآخرين بالطريقة نفسها التي عوملوا بها داخل أسرهم. ومع مرور الوقت يصبح هذا التبلد العاطفي أكثر رسوخاً، فتظهر صعوبات التعلم، وتزداد السلوكيات العدوانية، وتتراجع القدرة على تكوين علاقات اجتماعية صحية. كما ترتفع احتمالات الإصابة بالاكتئاب والانخراط في المشكلات القانونية والسلوكيات العنيفة خلال مرحلة الشباب
إن الفشل في تعلم التعاطف لا يولد فجأة، بل يتشكل عبر سنوات طويلة من الخبرات السلبية، وينتقل أحياناً من جيل إلى آخر. وعلى النقيض من ذلك، فإن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات أسرية تشجع الرحمة والاحتواء واحترام المشاعر يكتسبون قدرة أكبر على فهم الآخرين ومساندتهم في أوقات الشدة.
ومن هنا تتجلى الأهمية الحاسمة للطفولة المبكرة؛ فهي المرحلة التي تتشكل فيها البنية العاطفية للإنسان، وتُرسم فيها ملامح شخصيته المستقبلية. فالدماغ الانفعالي يتعلم من الخبرات المتكررة، ويخزن أنماط الاستجابة التي ستظهر لاحقاً في مواقف الحياة المختلفة.
وهكذا يتبين أن المحبة والقسوة ليستا مجرد أساليب تربوية عابرة، بل قوتان تسهمان في تشكيل الدماغ نفسه. فالطفولة فرصة فريدة لبناء إنسان قادر على الثقة والتعاطف والتوازن النفسي، كما أنها قد تكون – إذا امتلأت بالإهمال والإيذاء – بداية لجراح عميقة يصعب محو آثارها في مراحل العمر اللاحقة.