د. عبدالمحسن الرحيمي
مع صدور قرار مجلس الوزراء بتسمية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، وتزايد المؤتمرات والمبادرات التي تستعرض التقدم المتسارع في قدرات النماذج والخوارزميات، يتشكل تصور عام بأن التحدي الرئيسي يتمثل في تطوير كفاءة الأنظمة، وتعزيز دقتها، وضمان قدرتها على اتخاذ قرارات أكثر سرعة وموثوقية، بحيث يُقاس التقدم بمدى تحسن الأداء التقني، واتساع نطاق الاستخدام، وقدرة هذه الأنظمة على تقليل الخطأ وتعظيم النتائج.
غير أن هذا التصور، على الرغم من ضرورته، يغفل تحولاً أكثر عمقاً يتشكل داخل بنية العلاقة بين الإنسان وقراره، وهو تحول لا يظهر في مخرجات الأنظمة بقدر ما يظهر في موقع الإنسان داخل العملية التي تنتجها، حيث لم تعد الخوارزميات تكتفي بدعم القرار بعد تشكّله، بل أصبحت تشارك في صياغة منطقه قبل أن يكتمل، وتعيد ترتيب البدائل، وتختصر المسارات الإدراكية التي كان الإنسان يمر بها للوصول إلى قناعته.
في هذا السياق، لا يكون السؤال الحقيقي متعلقاً بمدى صحة القرار أو كفاءته، بل بمدى قدرة الإنسان على أن يتبناه إدراكياً بوصفه قراراً يمر من خلاله، لا نتيجة يصل إليها فقط، وهنا يظهر مفهوم سيادة النزاهة الإدراكية بوصفه مبدأً تأسيسياً يعيد تعريف جودة القرار، بحيث لا يُقاس القرار بصحته الحسابية فقط، بل بقدرته على أن يُفهم ويُستوعب ويُدمج داخل وعي من يتخذه.
سيادة النزاهة الإدراكية تعني أن يكون الإنسان قادراً على تبني القرار دون انفصال داخلي، وأن يشعر بأن القرار امتداد لفهمه، لا نتيجة مفروضة عليه، لأن القرار الذي لا يمكن تبنيه إدراكياً، حتى وإن كان صحيحاً من حيث النتائج، يظل قراراً هشاً في بنيته، منفصلاً عن صاحبه، وقابلاً للانفصال عنه عند أول تغير في السياق.
إن ما يتشكل اليوم مع تصاعد دور الخوارزميات ليس فقداناً مباشراً للقدرة على اتخاذ القرار، بل تحولاً في طبيعة هذه القدرة، حيث يصبح الإنسان قادراً على الوصول إلى نتائج دقيقة دون أن يمر بالتجربة الإدراكية التي تمنح هذه النتائج معناها، فيتحقق القرار في صورته النهائية، بينما يغيب المسار الذي يُبنى فيه الفهم، وهو ما يؤدي إلى فجوة دقيقة لكنها عميقة بين الفعل ودلالته.
وفي هذا الإطار، تتكامل سيادة النزاهة الإدراكية مع مبدأ السيادة التفسيرية، الذي يعيد للإنسان حقه في فهم القرار ومراجعته ومناقشته، بوصف هذا الحق شرطاً للاستقرار، لا مجرد إضافة معرفية، لأن الأنظمة التي تُنتج قرارات لا يمكن تفسيرها أو مناقشتها تخلق نمطاً من الاعتماد غير المتوازن، يتراوح بين الامتثال الصامت والرفض غير المؤسس، وكلاهما يضعف العلاقة بين الإنسان والنظام.
السيادة التفسيرية لا تعني بالضرورة كشف كل التفاصيل التقنية، بل تعني الحفاظ على قابلية القرار للفهم ضمن سياقه، وإبقاء المسار مفتوحاً بين النتيجة وتفسيرها، بحيث لا يتحول القرار إلى مخرج مغلق، بل يبقى جزءاً من عملية إدراكية يمكن التفاعل معها، وإعادة قراءتها، وربطها بالواقع الذي تُطبق فيه.
ومن هنا، لا تكون أنسنة الخوارزميات تقليصاً لقدراتها، بل إعادة تموضع لها داخل التجربة الإنسانية، بحيث تبقى أدوات توسّع الفهم، لا أنظمة تختصره، لأن المشكلة لا تكمن في أن الأنظمة أصبحت أكثر قدرة على اتخاذ القرار، بل في أنها قد تصبح قادرة على إنتاج قرارات لا يحتاج الإنسان إلى فهمها كي ينفذها.
وفي عالم يتجه نحو تقليل الزمن بين السؤال والإجابة، يصبح الحفاظ على المسار الإدراكي الذي يُبنى فيه القرار شرطاً ضرورياً، لأن اختصار هذا المسار لا يؤدي فقط إلى تسريع النتيجة، بل إلى تقليص الفهم الذي يمنحها قيمتها، وهو ما يفرض إعادة التفكير في العلاقة بين السرعة والجودة، بحيث لا تُختزل الجودة في دقة النتيجة فقط، بل تشمل عمق الفهم الذي يسبقها.
كما أن الميل إلى تقديم المخرجات بوصفها مكتملة ونهائية يعزز من وهم الاكتمال الخوارزمي، حيث يبدو القرار كأنه لا يحتاج إلى مراجعة أو إضافة، في حين أن هذا الاكتمال الظاهري قد يخفي تعقيداً لم يُستوعب بالكامل، وهو ما يجعل الحفاظ على مساحة للتفسير وإعادة النظر جزءاً أساسياً من استدامة القرار، لا عائقاً أمامه.
إن إعلان عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي لا يمثل فقط تسارعاً في تبني التقنية، بل يمثل لحظة مناسبة لإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان وقراراته داخل هذه البيئة الجديدة، بحيث لا يُقاس التقدم بقدرة الأنظمة على اتخاذ القرار فقط، بل بقدرة الإنسان على أن يظل حاضراً داخل هذا القرار، قادراً على فهمه، وتبنيه، وتحمله بوصفه جزءاً من وعيه.
وفي النهاية، لا يكمن التحدي في أن تصبح الخوارزميات أكثر ذكاءً، بل في أن تبقى قابلة لأن تُفهم، لأن القرار، مهما بلغت دقته، لا يكتسب قيمته من صحته فقط، بل من العلاقة التي تربط الإنسان به، وهذه العلاقة لا يمكن الحفاظ عليها إلا من خلال سيادة النزاهة الإدراكية التي تضمن تبني القرار، والسيادة التفسيرية التي تضمن فهمه، وبين هذين المبدأين يتحدد ما إذا كانت التقنية ستظل امتداداً للإنسان، أو تبدأ في إعادة تشكيله بصمت.