مهدي آل عثمان
تعد حرية الرأي من أهم المكتسبات الحضارية التي تسعى الدول والمجتمعات إلى ترسيخها وتعزيزها، كونها تمثل إحدى وسائل المشاركة في التنمية وصناعة القرار وتطوير الخدمات وتحقيق الشفافية. وقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة اتساعاً غير مسبوق في مساحة التعبير عن الرأي بفضل الثورة التقنية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح بإمكان أي فرد أن يصل بصوته إلى أعداد كبيرة من الناس خلال لحظات معدودة. إلا أن هذا الاتساع صاحبه في المقابل تحديات دفعت كثيراً من الدول إلى إعادة النظر في تنظيم المحتوى الرقمي ووضع ضوابط تحافظ على التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية.
وعند الحديث عن حرية الرأي يبرز خلط شائع بين مفهوم الرأي ومفهوم النقد، رغم وجود فرق واضح بينهما. فالرأي في جوهره هو طرح فكرة أو رؤية أو مقترح يهدف إلى تطوير واقع أو معالجة قضية أو الإسهام في بناء الوعي العام. أما النقد فهو عملية تقييم للأداء أو القرارات أو الممارسات بهدف الكشف عن أوجه القصور أو مواطن الخلل والعمل على تصحيحها.
ولا شك أن الرأي والنقد يمثلان عنصرين مهمين في أي مجتمع حي، لكن الفرق بينهما يكمن في الغاية والأثر. فالرأي يتجه غالباً نحو البناء وصناعة الحلول وتقديم البدائل، بينما يركز النقد على تشخيص المشكلات ورصد أوجه القصور. وعندما يلتزم النقد بالموضوعية والإنصاف فإنه يصبح أداة إصلاح مهمة، أما عندما يتحول إلى حالة دائمة من السخط أو وسيلة لإثارة المشاعر وتأليب الرأي العام فإنه يفقد قيمته الإصلاحية ويتحول إلى عامل من عوامل الانقسام والتوتر المجتمعي.
وفي الصحافة المهنية يؤدي كاتب الرأي دوراً مهماً في تحليل القضايا العامة وطرح الرؤى والأفكار والحلول المستندة إلى المعرفة والخبرة والقدرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل. أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد منحت الجميع فرصة التعبير والوصول إلى الجمهور دون وسيط، وهو أمر إيجابي من حيث توسيع دائرة المشاركة المجتمعية، لكنه في الوقت ذاته أوجد مساحة واسعة للآراء الانفعالية والطرح السريع الذي قد يفتقر أحياناً إلى التحقق أو الدراسة أو تقديم الحلول.
ولهذا فإن من المهم التمييز بين الرأي الذي يطرح فكرة أو رؤية إصلاحية، وبين الطرح الذي يكتفي بتضخيم الأخطاء أو استثمار القضايا المثيرة لتحقيق الانتشار والتفاعل. فليس كل ما يكتب في وسائل التواصل يمثل رأياً بالمعنى الحقيقي، كما أن كثرة النقد لا تعني بالضرورة وجود إسهام فعلي في الإصلاح أو التطوير.
ولعل ما يشهده العالم اليوم من تقليص لبعض مساحات التعبير في عدد من الدول يؤكد أن المشكلة لم تعد في حرية الرأي ذاتها، بل في بعض الممارسات التي صاحبتها. فانتشار المعلومات المضللة والشائعات وخطابات الكراهية وحملات التشهير والتجييش الإعلامي دفعت العديد من الحكومات إلى سن أنظمة وتشريعات أكثر صرامة لتنظيم المحتوى الرقمي. وأصبحت المسؤولية في كثير من الدول تمثل الوجه الآخر للحرية، لأن حرية التعبير لا تحقق أهدافها إذا تحولت إلى وسيلة للإضرار بالمجتمع أو إثارة الانقسام بين أفراده.
وفي المملكة العربية السعودية يمكن ملاحظة نموذج متوازن يجمع بين الاستماع للرأي وتعزيز المشاركة المجتمعية من جهة، والمحافظة على الأنظمة والمصالح العامة من جهة أخرى. فمنذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله مقاليد الحكم، أكد في أكثر من مناسبة أن أبواب المسؤولين مفتوحة للمواطنين وأن آراءهم ومقترحاتهم محل اهتمام وتقدير، وهو امتداد لنهج الدولة السعودية منذ عهد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، القائم على التواصل المباشر مع المواطنين والاستماع إلى احتياجاتهم وملاحظاتهم.
وقد انعكس هذا النهج على العديد من المبادرات والقنوات التي تتيح للمواطن إيصال رأيه ومقترحاته وملاحظاته بصورة مباشرة. ولم يعد الأمر مقتصراً على اللقاءات المباشرة أو سياسة الباب المفتوح، بل أصبح جزءاً من منظومة متكاملة من الخدمات والمنصات الرقمية التي تستقبل الآراء والمقترحات وتسهم في تطوير الأداء الحكومي ورفع جودة الخدمات.
وفي ظل رؤية المملكة 2030 قاد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله مشروعاً وطنياً طموحاً للتحول الرقمي والحكومة الإلكترونية، حتى أصبحت المملكة من الدول المتقدمة عالمياً في تقديم الخدمات الحكومية الرقمية. والأهم من ذلك أن هذه المنصات لم تقتصر على تقديم الخدمات فحسب، بل أتاحت للمواطن والمقيم فرصة المشاركة في تطويرها وإبداء الرأي حولها.
فمنصة بلدي على سبيل المثال أتاحت للمستفيدين تقديم المقترحات والملاحظات المتعلقة بالخدمات البلدية والمرافق العامة وتحسين المشهد الحضري، كما أصبحت منصة أبشر نموذجاً عالمياً في الخدمات الإلكترونية التي تطورت عبر الاستماع المستمر لملاحظات المستفيدين واحتياجاتهم. كذلك قدمت وزارة العدل تجربة رائدة في التحول الرقمي والخدمات العدلية الإلكترونية، إلى جانب العديد من الجهات الحكومية التي تطرح أنظمتها ولوائحها ومبادراتها لاستطلاع مرئيات العموم قبل اعتمادها.
وهذا يؤكد أن أبواب المشاركة وإبداء الرأي ليست مغلقة كما يتصور البعض، بل إن الدولة وفرت قنوات رسمية ومنظمة لاستقبال الأفكار والمقترحات والآراء التطويرية. ومن هنا تبرز مسؤولية المواطن في توجيه أفكاره وملاحظاته إلى المسارات التي تحقق الأثر الحقيقي بدلاً من الاكتفاء بالنقد أو تداول الشكاوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون الوصول إلى الجهات المختصة.
إن المجتمعات الناجحة لا تقاس بعدد الأصوات المرتفعة ولا بحجم الانتقادات المتداولة، وإنما بقدرتها على تحويل الرأي إلى فكرة، والفكرة إلى مبادرة، والمبادرة إلى مشروع تطوير يخدم الوطن والمجتمع. فالرأي الواعي يبني الثقة ويعزز الشراكة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بينما يؤدي النقد غير المنضبط إلى صناعة الإحباط وتأجيج الرأي العام وإضعاف روح المبادرة.
وتبقى حرية الرأي قيمة حضارية ومسؤولية وطنية في الوقت ذاته. فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الجدل ولا بتضخيم المشكلات، وإنما تتقدم بالأفكار والمبادرات والحلول. ولذلك فإن كل فرد قادر على أن يكون شريكاً في التنمية من خلال رأي واعٍ، أو مقترح بنّاء، أو فكرة تسهم في تطوير خدمة أو معالجة تحدٍ قائم. فكن صاحب أثر، واجعل من رأيك قيمة مضافة لمجتمعك، ومن حريتك وسيلة للبناء وتعزيز الثقة والحوار، فالأوطان تنمو بعقول أبنائها بقدر ما تنمو بمواردها وإمكاناتها.