عمرو أبوالعطا
في المشهد الأدبي العربي المعاصر تبرز أسماء استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة خاصة، عبر الكتابة العميقة التي تنبش طبقات الإنسان والمكان والذاكرة. ومن بين هذه الأسماء تتقدم الكاتبة السعودية أمل الفاران بوصفها واحدة من الأصوات السردية التي منحت الأدب السعودي حضورًا مختلفًا، حضورًا يتكئ على الأصالة ويشتبك مع الأسئلة الكبرى للهوية والمرأة والبيئة الصحراوية. وقد بلغ هذا الحضور ذروة رمزية لافتة مع إدراج ثلاثة من أعمالها ضمن مقتنيات مكتبة الكونغرس في يونيو 2024، في خطوة تتجاوز التكريم الشخصي إلى الإقرار بقيمة التجربة السردية السعودية في فضاء الأدب العالمي.
ولدت أمل الفاران في ديسمبر عام 1972، وبدأت حياتها المهنية في ميدان التعليم بعد حصولها على درجة البكالوريوس في التربية تخصص اللغة العربية، حيث أمضت عشرين عامًا بين التدريس والإدارة المدرسية.
هذه الرحلة الطويلة في التعليم لم تكن بعيدة عن مشروعها الإبداعي، إذ منحتها تماسًا مباشرًا مع اللغة في حالتها اليومية، ومع المجتمع في تحولاته الدقيقة، فانعكس ذلك على أعمالها التي اتسمت بحس اجتماعي عميق، ولغة مشغولة بعناية، وقدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير.
بدأت خطواتها الأولى في الكتابة عبر القصة القصيرة، حين نشرت نصوصها الأولى في الصحافة السعودية، ثم أصدرت مجموعتها القصصية الأولى «وحدي في البيت» عام 2001، لتعلن ميلاد صوت أدبي جديد يتشكل على مهل.
غير أن التحول الأبرز في مسيرتها جاء مع روايتها الأولى «روحها الموشومة به» عام 2004، التي حصدت جائزة الشارقة للإبداع العربي، لتفتح أمامها بابًا واسعًا نحو المشهد الروائي العربي.
منذ ذلك الحين، توالت أعمالها، فصدرت رواية «كائنات من طرب»، ثم جاءت روايتها الأشهر «غواصو الأحقاف» عام 2016، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الثالثة عشرة، كما أصدرت مجموعتها القصصية «الفتاة التي لم تعد تكبر في ألبوم الصور» عام 2016. وخاضت تجربة كتابة السيناريو عبر مسلسل «الزاهرية» الذي عُرض في عام 2022، مؤكدة أن مشروعها الإبداعي لا يتوقف عند حدود الرواية أو القصة، بل يمتد إلى فضاءات السرد البصري أيضًا.
ما يميز تجربتها أن كتابتها تنبع من ذاكرة المكان، خصوصًا الصحراء والقرية النجدية، حيث تتشكل الشخصيات في تماس مباشر مع الأرض، ومع الموروث، ومع القيم التي تصنع البنية الاجتماعية.
هذا الحضور المكثف للمكان لا يأتي بوصفه خلفية جامدة، بل كعنصر حي يشارك في صناعة الحدث، ويؤثر في مصائر الشخوص.
في رواية «غواصو الأحقاف» تبدو هذه السمة بأوضح صورها. الرواية تستعيد زمنًا سابقًا لاكتشاف النفط في منطقة «العقيق» (وادي الدواسر قديماً)، حيث يتقاطع صراع البقاء في قلب الصحراء مع طقوس تلقيح النخيل والحب والحرب. هنا تكتب الفاران ملحمة صحراوية كثيفة، لا تعتمد على البطولة التقليدية، بل على تشريح العلاقات الإنسانية في بيئة قاسية، حيث «الغوص» ليس في البحر، بل في رمال الذاكرة والكدح اليومي. الشخصيات كثيرة ومتداخلة، تتوزع بين ثلاث قبائل متصارعة، لكن الرواية لا تغرق في الفوضى؛ إذ تمسك الكاتبة بخيوطها بحرفية واضحة، وتمنح كل شخصية صوتها الخاص وموقعها في النسيج السردي.
تكمن قوة الرواية في قدرتها على كشف الوجه الآخر للصحراء؛ فهي ليست فضاءً للرجال وحدهم، كما كرست المخيلة الشعبية طويلًا، بل فضاء للنساء أيضًا، للحلم، للرقص، للحب، وللألم. المرأة هنا مركز فاعل، تتحرك داخل التاريخ لا خارجه. ولهذا جاءت الرواية بمثابة إعادة كتابة للذاكرة الصحراوية من منظور أنثوي مختلف، يخلخل الصورة النمطية ويعيد ترتيبها.
أما رواية «روحها الموشومة به» فتذهب إلى مساحة أكثر ذاتية وداخلية. هنا لا تكون الصحراء هي المسرح، بل النفس الإنسانية نفسها. البطلة تواجه صراعاتها الكبرى مع سلطة الرجل والبحث عن الهوية والتشظي الداخلي، وتحاول عبر الحلم والكتابة أن تعيد بناء ذاتها. الرواية مشغولة على مستوى نفسي عميق، حيث يتحول الحلم إلى أداة تأويل، وتصبح اللغة وسيلة للنجاة من الانهيار، مقدمة تجربة أنثوية شديدة الحساسية دون الوقوع في الخطابية، بل عبر بناء رمزي كثيف يفتح النص على قراءات متعددة.
وفي مجموعة «الفتاة التي لم تعد تكبر في ألبوم الصور»، تراهن على التكثيف والإيحاء، فتقترب من الحياة اليومية بتفاصيلها الصغيرة، وتلتقط أصواتًا مهمشة، وحيوات تبدو عادية لكنها تحمل في عمقها تشققات اجتماعية ونفسية واسعة. القصص هنا لا تصرخ، لكنها تهمس بعمق، وتمنح القارئ فرصة تأمل العالم من زوايا دقيقة. اللافت في هذه المجموعة أن المكان يتسع خارج حدود القرية النجدية إلى فضاءات أخرى، منها مدن أمريكية صغيرة، غير أن الشخصيات تحتفظ بجذورها الأولى، وكأن الكاتبة تقول إن الإنسان يحمل مكانه الأول أينما ذهب.
إدراج هذه الأعمال الثلاثة في مكتبة الكونغرس ليس حدثًا عابرًا. فحين تدخل نصوص كاتبة سعودية إلى واحدة من أكبر المكتبات العالمية، فإن ذلك يعني أن هذه الأعمال تجاوزت محليتها الضيقة، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الإنسانية المكتوبة. إنه اعتراف بقيمة النص، وبقدرته على تمثيل بيئة وثقافة وتجربة إنسانية تستحق الحفظ والقراءة. هذا الإنجاز يثبت أن الكتابة النسائية العربية صارت جزءًا من الحوار الأدبي العالمي، ويؤكد خصوصية صوت أمل الفاران الذي استطاع أن يمزج بين المحلي والإنساني، بين الصحراء والروح، بين الحكاية والتأمل.
تبدو أمل الفاران أكثر من مجرد روائية أو قاصة؛ إنها مشروع سردي قائم على استعادة الذاكرة، ومساءلة الواقع، وإعادة تشكيل الحكاية من داخلها. كتابتها لا تنحاز إلى الزخرفة المجانية، بل إلى جوهر الإنسان في ضعفه وقوته، في انكساره ونهوضه. وربما لهذا السبب وجدت أعمالها طريقها إلى رفوف مكتبة الكونغرس؛ لأن الأدب الحقيقي يملك دائمًا القدرة على عبور الحدود، والوصول إلى العالم.