د. حسين علي غالب بابان
منذ نحو ست سنوات، انشغل الشباب حول العالم بلعبةٍ تقوم فكرتها على وجود شخصيات كرتونية مشهورة جدًا تختبئ في أماكن مختلفة، ويتوجب على اللاعبين البحث عنها والعثور عليها، ثم يحصلون بعد ذلك على نقاط ترفع من مستواهم في اللعبة، وكان بإمكان أي شخص تنزيل اللعبة على هاتفه المحمول بسهولة ثم التجول هنا وهناك بسرعة بحثًا عن تلك الشخصيات الكرتونية وخلال أيام معدودة بلغ عدد مستخدمي اللعبة ملايين الأشخاص.
في ذلك الوقت، ظهر خبير برمجيات عالمي يعمل أستاذًا جامعيًا في الولايات المتحدة الأمريكية وله اسم ومكانة لا يُستهان بهما وحذّر علنًا من هذه اللعبة، كما فجّر مفاجأة مدوية عندما قال إن اللعبة بكل بساطة ليست سوى برنامج تجسس احترافي ودقيق لجمع مختلف المعلومات وعلى رأسها معلومات المواقع والأماكن والشوارع والمنازل والتقاطعات والطرق وأضاف أن مضمون اللعبة لو كان ترفيهيًا فقط لما تطلّب الأمر البحث عن الشخصيات بين البيوت وفي الشوارع والطرقات.
للأسف ضحك كثيرون ممن أعرفهم من هذا الكلام آنذاك، إذ تساءلوا كيف يمكن للعبة ممتعة يلعبها الجميع ويقومون بتنزيلها مجانًا أن تتحول إلى برنامج للتجسس..؟
وبعد مرور وقت طويل عاد ذلك الأستاذ الجامعي الوقور للظهور برفقة عدد من الخبراء الدوليين، ومعه - بحسب ما قيل- أدلة تثبت صحة ما ذكره سابقًا، وأكد أن الشركة المشرفة على اللعبة ليست سوى شركة وهمية تابعة لأحد أجهزة المخابرات، ووفقًا لهذه الرواية اضطر ذلك الجهاز إلى البحث عن حل سريع وغير مكلف بعد تعطل أحد الأقمار الصناعية المخصصة للمراقبة والتتبع وتوقفه عن العمل نهائيًا، ولهذا جرى ابتكار الشركة واللعبة وإطلاق حملة دعائية عالمية لها، لأن الوقت كان مهمًا بالنسبة إليهم وكذلك المعلومة مهما كانت صغيرة أو متواضعة، وهكذا أصبح المستخدمون البسطاء يؤدون المهمة على أكمل وجه وهم يشعرون بالسعادة والمتعة.
اليوم أصبحت دول كثيرة تحظر هذا البرنامج أو ذاك التطبيق من دون إبداء الأسباب. وأنا أقول بصراحة إن بعض هذه التطبيقات تحوم حولها علامات استفهام الأمر الذي يستدعي أخذ الحيطة والحذر، ويستدل البعض على ذلك بأن الصين حظرت معظم التطبيقات الأمريكية واعتمدت بدلًا منها على تطبيقات صينية من إنتاجها.
في المقابل مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على بعض مصنعي الهواتف المحمولة لاستخدام تطبيقات أمريكية، وعدّت هذه المسألة جزءًا من أمنها القومي وخطًا أحمر لا تسمح بتجاوزه، ولذلك ما زالت المنافسة والصراعات التقنية محتدمة حتى هذه اللحظة بين شركات البرمجيات والتكنولوجيا الأمريكية والصينية.