د. فهد بن أحمد النغيمش
على مر القرون والأزمان كان الحديث عن الحرية وتحديد مفهومها الرئيس وماذا يقصد بها هو شغل الكثير من الأدباء والفلاسفة، حيث تناولها كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم بتعريفات متباينة وغير دقيقة ولا زالت إلى عصرنا الحاضر محل جدل وموضع نقاش فالناس في فهمها وتناولها ما بين مقل ومستكثر ومصيب ومخطئ وما بين متوسع وما بين مضيق لها ومحجم لمفهومها. كثير هم الذين يدعون الحرية ويتشدقون بتطبيقها ويتنادون بها وهم في الحقيقة بريئون منها براءة الذئب من دم يوسف فالليبرالية لديهم رؤية مغايرة للحرية، ترتكز على الفرد كمركز للوجود. يتقدمهم في ذلك فلاسفة مثل جون لوك وجان جاك روسو، حيث تعني ان للفرد حق في امتلاك ذاته، في التصرف بجسده وممتلكاته، وفي تحديد مصيره دون تدخل خارجي.
وفي الإسلام خلق الله الإنسان حراً، وخلق بني آدم أحراراً، ليسوا بعبيد لأحد، وهذا هو الأصل فيهم، والله سبحانه أعطى الإنسان إرادة، ومشيئة، واختياراً، فليس العبد مجبوراً على عمل، وإنما هو حر في اختياره ومشيئته، وبناء على هذه الحرية في الاختيار والمشيئة؛ يحاسبه الله جل في علاه، فلو كان العبد مكرهاً مجبراً لا حرية له في الاختيار، فإن الله لا يؤاخذه على أفعاله كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فإذا فقد العبد حريته في العمل، ومشيئته في الاختيار، فصار مجبراً مكرهاً، لا يؤاخذه الله، فيكون الإكراه عذراً له في هذه الحالة فلا يأثم، وأما ما عمله باختياره، وحريته، ومشيئته، فإن الله تعالى يحاسبه عليه.
أين هي الحرية؟ هل الحرية في أن نختار أثاث المنزل أو نوع السيارة التي نملكها أو نوع الجوال ولون اللباس؟، بالتأكيد هذه شكل من أشكال الحرية التي قد تكون موجودة في مجتمعاتنا.. لكن ماذا عن الحرية في اختيار تخصص أو وظيفة مستقبلية وما مقدار الحرية في أن أبدع واتحرر من بعض العادات الغير جيدة والتي قد تكون وجدت كتركة لمن سبقونا دون أن نزنها بميزان شرعنا الحنيف وأخلاقنا الإسلامية، هل من الحرية بمكان أن ألبس ما أشاء من اللباس وأقتاد كلباً وأخرج إلى الناس في منظر مخالف للذوق العام؟ وهل من الحرية ن أخلع جلباب الحياء وأنزع لباسي المحتشم دون اكتراث بديني وأخلاقي وعاداتي ثم أصرخ في الناس هذه (حرية شخصية)!
قد نتفق أن لك حرية في أن تلبس من اللباس ما شئت لكن الشارع والمجتمع ليست ملكاً خاصاً بك تمارس فيه حريتك المزعومة دون مراعاة للذوق العام ومشاعر الآخرين.
إن التحرر من جميع الأشياء حولك والتي تعتقد انها تقيدك ليست شجاعة بل هو تمرد عقيم وفوضى مدمرة، فليس كل ما يقيدك بالضرورة أن يكون أغلالا، فقد تقيد بالقوانين والالتزامات والأخلاق، وتحررك منها له تبعات سلبية تضر بها غيرك ونفسك، لأن تلك القيود هي الضمان الوحيد لحقوق الآخرين؛ فهي المانع من الوقوع في غصبها، ودافعة لنيل نوع من النبل في تصرفاتك وكذلك لاكتساب احترام الآخرين لك. وإلى جانب ذلك فإن ادعاء الحرية أشد وطأة على المدعي أكثر من غيره، فلا فائدة لتظاهرك بالحرية أمام الملأ وداخلك مكبل بالأغلال والعقد.
البعض لا يأخذ من الحرية الا التمرد على الدين وعلى العادات والتقاليد فينظر إلى المجتمعات الغربية على انها منفتحة، وأن لدى شعوبها حرية في الشذوذ واختيار الأديان وعلى التعري وممارسة أنواع من الأفعال والقصات والحركات الغير جيدة.. والحقيقة أن تلكم هي من أوهام الحرية التي يدندن حولها البعض ويروج لها المبطلون والمفسدون.
نحن أمة إسلامية كفل الله لها أن تعيش وفق منهج سديد سليم يعطي الحقوق كاملة ويربط المسلم بربه ويمارس أنواع الحرية في المشورة والرأي والحكمة بل أن الشورى منهج إسلامي ونظام إداري قائم على الحرية في طرح الرأي والعديد من القضايا والأحكام التي مبناها قائم على حرية المسلم في اتخاذ قراراته وخطواته المستقبلية، فلماذا نبحث عن حرية مزعومة ليس لها أصل في ديننا ولا أخلاقنا وتربيتنا؟