د. ناهد باشطح
فاصلة:
«لا يوجد ألم أشد من أن تحمل داخلك قصة لم ترو»
-مايا انجلو-
**********
قالت الأميرة ديانا في مقابلتها الشهيرة مع الصحفي Martin Bashir:
«كنت أبكي كثيرًا، لكنني كنت أفعل ذلك وحدي».
لا أحد كان يتوقع أن من كانت دائما تبدو للعالم رمزاً للأناقة والقوة والابتسامة الدائمة، تعاني من الاكتئاب واضطرابات الأكل والشعور بالوحدة داخل القصر الملكي.
قصتها - وكثير من القصص لمشاهير أدخلوا الفرح إلى عالمنا بإبداعاتهم لكنهم كانوا يتعذبون في صمت - تؤكد بأن الصلابة الظاهرة لا تعني السلام الداخلي.
لأن بعض الذين يقولون دائمًا: أنا بخير، هم متعبون ولكنهم لا يشتكون، ولا يطلبون المساعدة، دوماً يطمئنون على الآخرين، يبتسمون في المناسبات، ويجيبون عن السؤال المعتاد: «كيف حالك؟» بعبارة: «أنا بخير».
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل هم بخير حقاً؟
منذ الصغر، يتلقى الناس رسائل غير معلنة مفادها ان البكاء ضعف، وأن الإنسان الناضج هو الذي يتحمل بصمت، فيتعلم الطفل أن يخبئ خوفه حتى لا يقلق والديه، وتتعلم الفتاة أن تكون قوية مهما كانت مثقلة بالمهام، ويتعلم الرجل أن الرجولة تعني الصبر بلا شكوى.
ومع مرور السنوات، تتحول هذه الصلابة من مهارة مؤقتة إلى هوية كاملة.
إننا في مجتمعاتنا نربي أبناءنا على عبارات مثل:
«الرجل لا يبكي».
«تحملي لأجل أولادك».
«لا تشكي لأحد».
«الصبر فالناس عندهم مشاكل أكبر».
وهي ليست مجرد عبارات بل مفاهيم تتحول إلى معتقدات فنصبح حينها مشجعين لمن لديهم القدرة على التحمل وليس التعبير، نفعل ذلك ولا نسأل عن الثمن النفسي لهذا التحمل.
الفارق كبير بين من يعرف كيف يحتوي الآخرين، ومن يعرف كيف يطلب الاحتواء، الأول يصغي للآخرين، لكنه فقد القدرة على سماع صوته الداخلي، والثاني يعرف كيف يعبر عن نفسه بوضوح .
الذين لا يعترفون بالتعب إلا عندما يتحول إلى قلق، أو نوبات غضب مفاجئة، أو أمراض جسدية لا يجد الأطباء لها تفسيرًا، هم في ثقافتنا العربية، محتفى بهم وبصبرهم، لكننا لا نسألهم عن كلفة هذا الصبر.
نصفق للمرأة التي تتحمل وحدها، وللرجل الذي لا ينهار، لكننا ننسى أن المشاعر المؤجلة لا تختفي، بل يختزنها الجسم وتظهر على شكل آلام جسدية.
لقد أجرت الباحثة Brené Brown مقابلات مع مئات النساء والرجال حول العار والضعف، وتوصلت إلى أن الأشخاص القادرين على بناء علاقات صحية ليسوا الذين لا يشعرون بالخوف، بل الذين يمتلكون الشجاعة للاعتراف بإنسانيتهم وهشاشتهم، لذلك فالمرأة التي ترهق نفسها لتبدو أمام الناس مثالية، والرجل الذي لا يعبر عن مشاعره السلبية حتى لا يوصم بالضعف هما رهن معايير غير عادلة وضعوها لمحاكمة أنفسهم بقسوة.
وأجرى عالم النفس James Pennebaker سلسلة من الدراسات منذ الثمانينيات، ووجد أن الأشخاص الذين يكتبون عن تجاربهم المؤلمة ومشاعرهم بصدق يتمتعون بتحسن نفسي وجسدي مقارنة بمن يكبتون مشاعرهم.
إن القوة الحقيقية ليست في إنكار الألم، بل في الاعتراف به دون استسلام له، ليست في أن تقول دائمًا: «لا أحتاج أحدًا»، بل في أن تمتلك الشجاعة لتقول: «أحتاج إلى من يسمعني»، «أنا متعب.. وأحتاج بعض الرحمة»، هذه الرحمة ليست ضعفًا، بل بداية التعافي.
فما وراء الصلابة، قد نجد قلبًا أنهكه الصمود الطويل، وروحًا لم تكن تبحث عن بطولة، بل عن إذن بسيط بأن تكون إنسانًا.