ناهد الأغا
لحظة شفيفة، امتزجت بها هيبة المقام بفرحة الإنجاز، وانعقد الخيط بين من بنوا المجد ومن يكتبون سيرته اليوم بأقلام البحث والعلم..
في مشهد مهيب، إذ تفضل صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز، برعاية حفل تسليم جائزة الملك سلمان العالمية للدراسات العليا في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، في دورتها الثالثة، إيذانًا بانتماء المعرفة إلى أعلى مراتب التقدير الوطني، وتجسيداً لرؤية عميقة تدرك أن ذاكرة الأرض لا تقل أهمية عن مستقبلها.
ولعل المتأمل في هذه الرعاية يدرك أنها تعكس إيماناً راسخاً بأن بناء المستقبل يبدأ بفهم الماضي، وأن الهوية الوطنية تنبع من عمق الذاكرة التاريخية وصدق البحث العلمي، فالتكريم يجسد رؤية تجعل من الدراسات التاريخية جسراً يصل إرث الأجداد بطموحات الأجيال، في امتداد معرفي يعزز الثقة بالمستقبل ويحفظ للأمة وعيها بجذورها، ويكتمل المعنى عند النظر إلى هذه المناسبة المهمة في ضوء رؤية المملكة 2030، حيث يغدو الإرث الحضاري رافداً للتنمية وتعزيز الانتماء، فالأمة الواثقة بتاريخها أقدر على صناعة مستقبلها، ومن خلال دعم الدراسات التاريخية النوعية، تقدم الجائزة المملكة للعالم بصفتها موطناً لحضارة عريقة، تروي حكاية الإنسان والمكان بلغة علمية تتجاوز الحدود وتصل إلى الباحثين في كل مكان.
ويمكن قراءة هذه المناسبة بوصفها احتفاءً بالتاريخ باعتباره رافداً للحضور الحضاري، وقد جاءت كلمة صاحب السمو الأمير الدكتور نايف بن ثنيان دافئةً بصدقها الوطني، حاملةً رسائل الوفاء لقيادة آمنت بأن العلم استثمارٌ في الإنسان والوطن، فأكد أن الجائزة تجسد عناية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، بدعم البحث العلمي ورعاية الطاقات الواعدة، مشيراً إلى اتساع أفقها في دورتها الثالثة، إذ استقبلت ترشيحات من ثماني عشرة جامعة في ثماني دول، تنافست بستٍ وخمسين رسالة علمية حملت شغف الباحثين، وأضاءت فضاء الدراسات التاريخية بمزيد من المعرفة والاعتزاز بإرث الجزيرة العربية وحضارته.
ولم يكن المشهد الختامي إلا تتويجاً لتسع رسائل علمية، أربعٌ منها في مستوى الدكتوراه وخمسٌ في الماجستير، تنافست في فضاء معرفي رحب، ونالت إحداها الجائزة مناصفةً في لوحة تعكس تنوع التميز العلمي وثراءه، وقد جاءت هذه النتائج كأنها نافذة تُفتح على زمن يعيد كتابة نفسه بهدوءٍ عميق، وكأن البحث التاريخي يغادر قوالبه الجامدة ليتحوّل إلى رحلة حيّة تتلمّس الماضي بعين أكثر وعياً ودفئًا، كما وتكشف هذه الرسائل عن ثراء معرفي يضيء طبقات التاريخ السياسي والحضاري للجزيرة العربية، في حضورٍ أكاديمي يليق بمكانة الوطن وامتداد إرثه.
وأخيراً : حيث تتهادى المشاعر كأشرعة في ميناء الغسق، تظلُّ جائزة الملك سلمان العالمية للدراسات العليا في تاريخ الجزيرة العربية نقشاً على جبين الدهر، مؤكدةً أن هذا الوطن، مهما امتدت به الرؤى نحو السماء، سيبقى وفياً لذاكرة الرمال، متيماً ببريق النجمة الثاقبة في جبين الليل، حالما بغد يشبه عراقة أمسه.