د. منصور الجريشي
تُعد مواقع التواصل الاجتماعي أداةً لنشر المستجدات والاهتمامات المختلفة لصُنّاع المحتوى وغيرهم، وقد وجدت في الأصل لتمكين الناس من مشاركة يومياتهم وأخبارهم، وإطلاع متابعيهم على كل جديد، وجذبهم لمتابعة ما يُنشر بشغف وانتظار. وذلك لما يقدمه صانع المحتوى من فائدة قد تتعلق بجوانب الحياة المختلفة، أو بالتقنيات الحديثة، أو بالأخبار، وغيرها من الموضوعات التي لا شك أن لها تأثيرًا في المتابعين.
وتتفاوت البثوث المباشرة التي تُبث عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي بين الغث والسمين؛ فكل شخص يبث وفق ما يمليه عليه ضميره، خيرًا كان أم شرًا. فهناك بثوث تشد الانتباه وتحظى باهتمام الجميع لما تتضمنه من فائدة علمية، وأسلوب راقٍ، واحترام متبادل، وإحساس بالمسؤولية، مع المحافظة على المحتوى النظيف الخالي من المهاترات الكلامية والتسول الإلكتروني.
وفي المقابل، توجد بثوث تُكدِّر الخاطر وتؤلم القلب، لما تحويه من تهجم على الآخرين، وألفاظ نابية، وتحديات تنتهي بإصدار أحكام ينفذها الشخص المغلوب دون تردد، بينما يطلق الفائز عبارات وسلوكيات تؤثر سلبًا في جودة المحتوى. والأخطر من ذلك أن صغار السن يلتقطون هذه السلوكيات ويقلدونها، فينشأ لديهم اعتقاد بأن القوة هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأهداف، مما ينعكس سلبًا على قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، حتى تصبح مستهانًا بها في نظرهم. ثم يردد هؤلاء الصغار تلك العبارات الخادشة فيما بينهم، سواء على سبيل المزاح أو في حالات الغضب.
ولا يتوقف أثر هذه البثوث عند هذا الحد، بل يتجاوز ذلك إلى قضية بالغة الأهمية، وهي ما يمارسه بعض أصحاب البثوث من تسول إلكتروني من خلال طلب الدعم المالي من المتابعين للفوز على منافسيهم. ويُعد التسول الإلكتروني من أخطر أنواع التسول؛ إذ يختلف عن التسول التقليدي في الشوارع والأماكن العامة، فالتسول التقليدي يكون محدودًا في نطاق ضيق ويشاهده عدد محدود من الناس، أما التسول الإلكتروني فيصل إلى أعداد هائلة من المشاهدين، وعلى نطاق واسع يتجاوز المدن والمناطق ليصل إلى مختلف أنحاء البلاد بل وخارجها.
وتزداد الخطورة عندما يقدم بعض المشاهدين دعمًا ماليًا لأشخاص قد لا يعرفون عنهم شيئًا، فتذهب الأموال إلى جهات مجهولة قد يكون ظاهرها حسنًا وباطنها غير ذلك. لذا يجب على المتابعين ألا ينجرفوا وراء الشعارات الزائفة، وأن يحافظوا على أموالهم فهم أولى بها. فدعم المشاهير بهذه الطريقة لا يعود على الداعم بأي منفعة حقيقية، بل إن المستفيد الأول والأخير هو ذلك المشهور أو المشهورة.
وبذلك تتحول بعض منصات التواصل الاجتماعي من أدوات لنشر المحتوى الهادف إلى مستنقع للتسول الإلكتروني، فتغدو وبالًا على المجتمع، ويصبح أثرها السلبي أعظم من نفعها، وخطرها أكبر من فائدتها.
مقترحات
- منع طلب الدعم المالي نهائيًا عبر البثوث المباشرة، وإحالة من يطلب الدعم إلى الجهات المختصة لمحاسبته؛ لأن طلب الدعم من المشاهدين يُعد صورة من صور التسول.
- منع الألفاظ الخادشة للحياء أو العبارات التي تعزز ثقافة التسلط والقوة، ومحاسبة من يستخدمها.
- توثيق الحسابات بأسماء أصحابها الحقيقية عبر منصة الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، واعتبار الحسابات غير الموثقة مخالفة للأنظمة.
ومضة
أخي صاحب البث، هناك من المشاهدين من يحبك ويحاول دعمك بكل ما يملك، وربما ينفق جزءًا من ماله ليعبر عن محبته لك. فكن عونًا له، وبيّن في بداية كل بث أن المحبة لا تُقاس بالمال، وأن أفضل صور الدعم هي الدعاء بظهر الغيب، أو الكلمات الطيبة عبر المحادثة. فبعض الناس يظنون أن إظهار المحبة لا يكون إلا بالدعم المالي، فالتوعية المستمرة بمخاطر هذه الممارسات كفيلة - بإذن الله - بالحد من هذه الظاهرة وحماية الأفراد من الوقوع في تبعاتها السلبية.