خالد بن حمد المالك
تزامن التوقيع على مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران مع تهديد كل طرف للآخر، فبينما يتحدث الرئيس الأمريكي بأنه سوف يعود إلى ضرب إيران إذا لم تلتزم بما تم الاتفاق عليه، فإن الرئيس الإيراني لم يتردد في القول بأن إيران في جهوزية عالية لتلقين العدو -يقصد أمريكا- درساً لن ينساه.
* *
هذه اللغة في التعاطي مع توقيع الاتفاق تنم عن عدم الثقة بينهما، وغياب المصداقية، والشك في صدق نواياهما، وفي الهدف من الوصول إلى هذا الاتفاق، بدليل هذا الأسلوب العدواني المبكر الذي يسبق عقد الاجتماعات لتطبيق ما تم الاتفاق عليه.
* *
للوهلة الأولى، وعلى ضوء هذه التصريحات النارية، يظهر للمتابع عدم جدية أي من الجانبين في ترجمة ما تم الاتفاق عليه إلى نقاط عمل، وتنفيذ، وصولاً إلى إنهاء الحرب نهائياً، وعدم العودة لها مستقبلاً، وبالتالي إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.
* *
لكن لكل من واشنطن وطهران حسابهما الخاص، ونواياهما المبيَّتة، وما تخفيه سياساتهما غير المعلنة، فضلاً عن التعقيدات الكثيرة في جميع الملفات، وهي مصدر خلافات يعود تاريخها إلى أكثر من 47 عاماً، دون وجود رغبة حتى الآن في تسويتها.
* *
وأمام هذا المشهد من الطرفين، لا يمكن لمتابع أن يجد نفسه في حالة تفاؤل وثقة بأن فترة الشهرين كافية لتذليل العقبات، ووضع حد لهذا العمل العدواني وأسبابه وتأثيره على أمن واستقرار المنطقة بعد قرابة نصف قرن.
* *
وما يميز هذا الاتفاق أن كلا الطرفين تعبا من الحرب، وتأثرا من الخسائر، وفشلا في تحقيق أي نصر، وهناك حسابات داخلية تضغط على كليهما، في أمريكا هناك الانتخابات وارتفاع الأسعار، وفي إيران هناك المزاج الشعبي المعارض لسياسة الدولة، وتأثر المواطن من الحروب والعزلة، والتخلّف في البلاد.
* *
أمام هذه الأجواء في أمريكا وإيران والمنطقة وامتدادها إلى العالم، يشكِّل الاتفاق فرصة لا غنى عنها، ومحاولة لطي الصراعات في فترة قد لا تتكرر، وإغلاق آثار سنوات من الخلافات المزمنة، وفي ذلك مصلحة لكل الأطراف.
* *
غير أن غياب إسرائيل عن هذه التسويات، وتركها تعبث بأمن المنطقة، وتعطي نفسها الحق دون رادع في احتلال أراضي غيرها، والاعتداء على الدول، ودعم أمريكا والغرب لها في عدوانها المتكرر وصمت العالم عن جرائمها، لا يجعل من هذا الاتفاق بين أمريكا وإيران حلاً نهائياً لإبعاد المنطقة من شبح الحروب في المستقبل.