د. الجيلالي عبد القادر شقرون
في عالم تموج فيه التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتتصارع فيه القوى على مسارات وممرات التجارة ومنابع الطاقة، تبرز على الخارطة الدولية قوتان إقليميتان عربيتان تشكلان معا صمام أمان واستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إنها الشراكة غير المعلنة بالضرورة في كل التفاصيل، لكنها المحومة في الأفق كـ»جناحي الأمة العربية والإسلامية»: المملكة العربية السعودية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
عند تأمل الجغرافيا السياسية المعاصرة، نجد أن البلدين لا يمثلان مجرد مساحات شاسعة على الخريطة، بل هما محورا ارتكاز لصناعة القرار السياسي والاقتصادي العالمي وتألقهما في التأثير على المنظمات الدولية في حل الأزمات.
الرياض: قلب العالم الإسلامي وشريان الاقتصاد العالمي
تبسط المملكة العربية السعودية نفوذها الجغرافي على الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية بمساحة تتجاوز 2.15 مليون كيلومتر مربع، واضعة نفسها كأكبر دولة في الشرق الأوسط، لكن القوة الحقيقية للرياض تتجاوز المساحة البرية لتتغلغل في عمق التأثير الروحي والاقتصادي.
المركزية الروحية والدبلوماسية: باحتضانها للحرمين الشريفين (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، تعد المملكة القبلة اليومية والروحية لأكثر من ملياري مسلم، ومحور القيادة الدينية والسياسية للعالم الإسلامي.
ملتقى القارات الثلاث والممرات الحيوية: بموقعها الفريد كرابط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، تفرض السعودية إشرافها الأستراتيجي على واجهتين بحريتين من أخطر ممرات العالم: البحر الأحمر المؤدي إلى قناة السويس، والخليج العربي المعبر الأساسي لطاقة العالم، مع نفوذ غير مباشر يؤمن مضيقي هرمز وباب المندب.قاطرة الطاقة ومجموعة العشرين: لكونها تمتلك واحدا من أضخم احتياطيات النفط والغاز في العالم وقائدة منظمة «أوبك»، تظل المملكة المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي والعضو العربي الوحيد في مجموعة العشرين (G20).
الجزائر: بوابة إفريقيا وشريان الطاقة الأوروبي
على الجناح الغربي للعالم العربي، تتربع الجزائر كعملاق إفريقي فريد. بمساحة تبلغ 2.38 مليون كيلومتر مربع، لا تعد الجزائر أكبر دولة في إفريقيا والعالم العربي فحسب، بل هي كبرى دول حوض البحر الأبيض المتوسط، مما يمنحها ميزات استراتيجية استثنائية:
نقطة الوصل بين قارتين: عبر شريط ساحلي ممتد لأكثر من 1200 كم على المتوسط، تمثل الجزائر الجسر الطبيعي والبوابة الحتمية لربط القارة الإفريقية السمراء بأوروبا.العمق الأمني في منطقة الساحل: بحدودها الجنوبية الممتدة في عمق منطقة الساحل الإفريقي المعقدة (مالي، النيجر)، غدت الجزائر الفاعل والميزان الأساسي لضبط الاستقرار، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الحدود.إن القراءة الجيوسياسية المعاصرة تؤكد أن التوزيع الجغرافي للبلدين – السعودية في الشرق والجزائر في الغرب – يخلق حالة من «التكامل الأستراتيجي» الفريد لخدمة قضايا الإقليمية والدولية، ويتبلور هذا التكامل في ثلاثة محاور رئيسية:
مراقبة الممرات البحرية والتجارة: بينما تؤمن الرياض البحر الأحمر والخليج العربي، تفرض الجزائر هيبتها على غرب البحر الأبيض المتوسط والمنافذ المؤدية إلى المحيط الأطلسي، مما يعني إشرافاً مشتركاً على حركة التجارة العالمية.
قيادة العمل المشترك: يتيح هذا الثقل المزدوج للبلدين قيادة وتنسيق المواقف بفعالية عالية داخل المنظمات الدولية والإقليمية، ولاسيما جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الإفريقي.
ضبط إيقاع أسواق الطاقة: بصفتهما من كبار منتجي ومصدري الطاقة عالميا (النفط والغاز)، يساهم التنسيق المستمر بين الجزائر والرياض في إحداث التوازن المطلوب وضمان استقرار الأسواق العالمية تماشيا مع مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
ختاماً
لا يمكن قراءة مستقبل الاستقرار في المنطقة العربية والإفريقية دون المرور بالجزائر والرياض؛ فالموقع الجغرافي والدور الاستراتيجي لكليهما يتجاوز الطابع الإقليمي ليصنع فارقا حقيقيا على شاشات الرادار السياسية والاقتصادية حول العالم.