مبارك بن عوض الدوسري
حين يُستحضر تاريخ التعليم في وادي الدواسر، وتُذكر الشخصيات التي تركت بصمات خالدة في مسيرة العلم والتربية، يبرز اسم الشيخ سعد بن عبداللطيف بن حمد بن عتيق – رحمه الله – بوصفه واحداً من الرواد الأوائل الذين اقترنت أسماؤهم ببدايات النهضة التعليمية في المحافظة، ورجلاً وهب حياته للعلم والتعليم وتربية النشء على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية.
فبعد الزيارة التاريخية التي قام بها الملك سعود بن عبدالعزيز – رحمه الله – لوادي الدواسر يوم الأربعاء 29 شوال 1373هـ، وما نتج عنها من توجيهات كريمة بافتتاح عدد من المدارس النظامية، كانت مدرسة النويعمة الابتدائية من أوائل تلك المدارس التي فتحت أبوابها عام 1374هـ، ليكون الشيخ سعد بن عتيق أحد المعلمين الأوائل الذين حملوا على عاتقهم رسالة التعليم في تلك المرحلة التأسيسية المهمة من تاريخ المحافظة.
ولم يكن الشيخ سعد معلماً يؤدي واجباً وظيفياً فحسب، بل كان مربياً ورسالةً قائمة بذاتها؛ إذ عُرف بشدة تعلقه بكتاب الله تعالى وحرصه الدائم على أن يكون معظم نصابه التدريسي في مادة القرآن الكريم، إيماناً منه بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء عقيدته وأخلاقه وصلة قلبه بكتاب ربه؛ وعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود قضاها في مدرسة النويعمة الابتدائية، تخرج على يديه أجيال عديدة تدين له - بعد فضل الله - بإجادة التلاوة وتصحيح القراءة وحفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم.
وقد جمع - رحمه الله - بين العلم الشرعي الراسخ والأسلوب التربوي الحكيم، فكان قدوة لزملائه المعلمين قبل أن يكون معلماً لتلاميذه؛ عرفه الناس صاحب سمتٍ حسن وخلق كريم وورع ظاهر وحكمة في التعامل، فكان يوجه ويعلم وينصح بلطف وأدب، ويحرص على تصحيح الأخطاء الدينية والسلوكية بالحكمة والموعظة الحسنة، فما كان يجرح أحداً أو يحرجه، بل يختار لكل مقام ما يناسبه من النصح والإرشاد، ولذلك بقيت مكانته محفوظة في قلوب من عرفوه وتتلمذوا على يديه.
وقد نشأ الشيخ سعد في بيت علم وفضل، حيث ولد في الغيل عام 1336هـ، وتلقى تعليمه الأول على يد والده الشيخ عبداللطيف بن حمد بن عتيق، ثم واصل طلب العلم بعد وفاة والده، قبل أن يرتحل إلى الرياض بين عامي 1365هـ و1368هـ، حيث نهل من حلقات العلم على أيدي كبار علماء البلاد في ذلك العصر، ومنهم سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، كما تتلمذ على الشيخ سعود بن رشود وغيرهم من أهل العلم، فازدادت معارفه رسوخاً واتسعت مداركه الشرعية.
وقد وصفه مؤرخو الأسرة والباحثون في التراجم بأنه كان حافظاً لكتاب الله، متفقهاً في الدين، معروفاً بالورع والأدب والحكمة، وهي صفات انعكست بوضوح على أدائه التعليمي وسلوكه الاجتماعي؛ وحين عُين معلماً في مدرسة النويعمة الابتدائية عام 1374هـ – وفق ما وثقته موسوعة تاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية – استمر في أداء رسالته حتى تقاعده عام 1408هـ، ليكون قد أمضى نحو أربعة وثلاثين عاماً في خدمة التعليم، معظمها في المدرسة نفسها التي ارتبط اسمه بها وارتبطت به.ولعل أعظم ما يميز أصحاب الرسالات الصادقة أن أثرهم لا ينتهي بانتهاء أعمارهم، بل يبقى ممتداً في نفوس الناس وسلوكهم وذكرياتهم؛ وهذا ما تحقق للشيخ سعد بن عتيق؛ إذ لا يزال اسمه يتردد حتى اليوم في مجالس أبناء النويعمة ووادي الدواسر، وتستحضره الأجيال المتعاقبة بكل تقدير وإجلال، ويترحم عليه تلاميذه ومن عرفه كلما ذُكر اسمه، وفاءً لما قدمه من علم وتربية وإصلاح.لقد رحل الشيخ سعد بن عبداللطيف بن عتيق إلى جوار ربه يوم الجمعة 18 جمادى الأولى 1421هـ عن عمر ناهز خمسة وثمانين عاماً، بعد حياة حافلة بالعطاء والبذل والتعليم، غير أن سيرته بقيت شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ التعليم في وادي الدواسر، وبقي إرثه التربوي والعلمي واحداً من الصفحات المضيئة التي تستحق أن تُروى للأجيال؛ وفاءً لرجلٍ صنع من التعليم رسالة، ومن القرآن منهج حياة، ومن الأخلاق أثراً خالداً لا يزال حاضراً في ذاكرة المجتمع حتى اليوم.