صبحي شبانة
في الشرق الأوسط، كثيراً ما تتوقف الحروب قبل أن تنتهي أسبابها، تصمت المدافع، لكن الشكوك تبقى، تُوقَّع الاتفاقات، لكن المخاوف تواصل حضورها، ولهذا فإن المنطقة لا تنظر إلى أي اتفاق سياسي باعتباره نهاية أزمة، بل باعتباره بداية اختبار جديد، هل نحن أمام تسوية حقيقية أم مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الصدام إلى موعد آخر؟
في هذا السياق جاء مقال الأمير تركي الفيصل «ماذا نريد؟»، ليطرح سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يختصر عقوداً من الصراعات والتحولات التي عاشتها المنطقة، فبعد الاتفاق الأمريكي الإيراني وما رافقه من نقاشات واسعة حول مستقبل التوازنات الإقليمية، اختار الأمير تركي أن يعود إلى أصل القضية، لا إلى تفاصيلها، لم يسأل عمّن ربح الجولة السياسية، ولا عمّن حقق مكاسب تفاوضية أكبر، بل طرح السؤال الأهم، ماذا نريد فعلاً من هذه المنطقة؟، ربما تكمن أهمية هذا السؤال في أن الشرق الأوسط دفع خلال العقود الماضية أثماناً باهظة بسبب تضارب الإجابات عنه، فهناك من أراد تصدير الأيديولوجيا إلى ما وراء الحدود، وهناك من أراد فرض الهيمنة بالقوة العسكرية، وهناك من رأى في الفوضى وسيلة لتعزيز النفوذ أو تحقيق المكاسب، وبين هذه المشاريع المتنافسة ضاعت فرص كثيرة للتنمية والاستقرار والازدهار.
حين يتحدث الأمير تركي عن إيران، فهو لا يتوقف عند الخلاف السياسي التقليدي بينها وبين جيرانها، بل يضع يده على جوهر المشكلة التي صنعت جانباً كبيراً من أزمات المنطقة خلال العقود الماضية، فالدول تصبح أكثر استقراراً عندما تستثمر في التنمية والتعليم والاقتصاد، لكنها تدخل دوائر الاستنزاف عندما تستثمر في الميليشيات والصراعات المفتوحة، ولهذا فإن دعوته إلى تخلي إيران عن سياسات التوسع غير المباشر ليست مجرد موقف سياسي، بل رؤية تتعلق بمستقبل المنطقة بأكملها، لقد أثبتت التجارب أن النفوذ الذي يُبنى عبر الجماعات المسلحة يبقى هشاً مهما بدا قوياً، قد يحقق مكاسب مرحلية، لكنه لا يصنع استقراراً دائماً، كما أن الشعوب التي تُستنزف في الحروب والصراعات لا تستطيع أن تحقق التنمية التي تطمح إليها، ومن هنا تبدو الرسالة واضحة، المستقبل يُبنى بالدولة ومؤسساتها، لا بالمشاريع الموازية التي تنافسها أو تضعفها. وفي المقابل، لا يتجاهل الأمير تركي مسؤولية إسرائيل عن جانب كبير من التوترات التي تعيشها المنطقة، فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً مجرد ملف سياسي عابر، بل ظلت لعقود طويلة عنواناً لمشكلة أعمق تتعلق بالعدالة والحقوق والاستقرار، وكلما طال أمد الاحتلال واتسعت دائرة العنف، ازدادت صعوبة الوصول إلى سلام حقيقي ومستدام، وربما تكشف التطورات الأخيرة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تمنح الشعوب شعوراً بالأمن، فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بحماية الحدود، بل أيضاً بوجود تسويات عادلة تزيل أسباب الصراع من جذورها، ولهذا فإن استمرار الأزمات لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضع المنطقة كلها أمام احتمالات متكررة من التوتر وعدم الاستقرار.
أما الغرب، فيرى الأمير تركي أن عليه مراجعة الكثير من السياسات التي ساهمت في تعقيد المشهد الإقليمي، فحين يشعر أي طرف بأن لديه حصانة سياسية مطلقة، أو دعماً غير محدود بغض النظر عن سلوكه، فإن فرص الوصول إلى حلول متوازنة تتراجع، والتاريخ يؤكد أن الانحيازات الحادة كثيراً ما تطيل عمر الأزمات بدلاً من أن تنهيها، لكن اللافت في المقال أن الأمير تركي لا يكتفي بتوجيه الرسائل إلى الخارج، بل يوجه جزءاً مهماً منها إلى الداخل الخليجي نفسه، فالتحديات الإقليمية المتسارعة تفرض على دول مجلس التعاون الخليجي أن تحافظ على أعلى درجات التماسك والتنسيق، فالعالم من حولها يتغير بسرعة، والتهديدات لم تعد تقتصر على الجيوش التقليدية، بل أصبحت تشمل الحروب الإعلامية، وحملات التضليل، ومحاولات إثارة الانقسامات داخل المجتمعات،
ولهذا تبدو دعوته إلى تعزيز التضامن الخليجي أكثر من مجرد موقف سياسي آني؛ إنها قراءة استراتيجية لطبيعة المرحلة المقبلة، فالدول التي تواجه التحديات بشكل منفرد تصبح أكثر عرضة للضغوط، أما الدول التي تنسق مواقفها وتوحد قدراتها فإنها تمتلك فرصاً أكبر لحماية مصالحها وصناعة مستقبلها.
وعند التأمل في مضمون مقال، الأمير تركي الفيصل يمكن اعتباره دعوة للانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الاستقرار، فالمنطقة أمضت سنوات طويلة في التعامل مع نتائج المشكلات، بينما أصبحت الحاجة ملحة للتعامل مع أسبابها الحقيقية، فالحروب لا تنشأ من فراغ، والأزمات لا تظهر فجأة، وإنما تتراكم نتيجة سياسات وخيارات تستمر سنوات طويلة قبل أن تنفجر،
من هنا فإن السؤال الذي طرحه الأمير تركي لا يخص إيران وحدها، ولا إسرائيل وحدها، ولا الغرب وحده، بل يخص جميع الأطراف المؤثرة في مستقبل المنطقة، ماذا نريد؟ هل نريد شرق أوسط يعيش على إيقاع الأزمات الدائمة؟، أم نريد منطقة تتفرغ للتنمية والتقدم والتنافس الاقتصادي والعلمي؟
قد تختلف الإجابات السياسية، وقد تتباين المصالح، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن شعوب المنطقة سئمت الحروب، وتبحث عن الاستقرار أكثر مما تبحث عن الانتصارات الخطابية، ولهذا يبدو السلام، كما يقدمه الأمير تركي الفيصل، مشروعاً متكاملاً يحتاج إلى إرادة سياسية وشجاعة استراتيجية، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات، فالسلام لا يولد من البيانات وحدها، ولا من الاتفاقات المؤقتة، بل من قناعة جماعية بأن المستقبل يستحق أن يكون أهم من صراعات الماضي، وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق التي أراد الأمير تركي إيصالها في توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة والعالم.