عايد بن حمود المغيري
بعض الذكريات لا يطويها الزمن ولا يمحوها توالي الأعوام بل تظل كامنة في أعماق الروح ومن بين تلك الذكريات التي ما زالت تسكن في وجداني أستعيد من الذاكرة صورة نادرة، ومشهد لا يزال حيًّا رغم مرور أكثر من نصف قرن عليه خصوصاً عندما أكون في محافظة الدوادمي العزيزة على قلبي، فتخرج تلك الصورة بكل تفاصيلها، كأن الزمن لم يمضِ عليها يومًا واحدًا
كان ذلك في عام 1393هـ (1973م)، حين كنت طفلًا صغيرًا في الصف الأول الابتدائي في محافظة الدوادمي، لم أتجاوز السادسة أو السابعة من عمري. وفي ذلك العام عاد الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- من الحجاز إلى الرياض عبر الطريق البري، فاستقبله أهالي المدن والقرى بمشاعر الفرح والوفاء. وفي الدوادمي اصطف الناس على جانبي الطريق منذ وقت مبكر رغم البرد القارس في ذلك اليوم، واصطففنا نحن الطلاب شرق مبنى المستشفى، في المكان الذي يوجد فيه اليوم مبنى الهلال الأحمر. وكانت الدوادمي آنذاك مدينة صغيرة هادئة متواضعة في عمرانها عظيمة بأهلها وساكنيها؛ وكانت مدرستنا تقع خلف محطة الوقود عند دوار التعليم الآن.
وأخبرنا المعلمون: إن الملك فيصل سيمر من هنا، وسيلوح لكم بيده، فعليكم أن تحيّوه وتصفقوا له.
وبخيال طفلٍ صغير لم يعرف بعد شيئًا عن البروتوكولات والمواكب الملكية رسمت في مخيلتي صورة مختلفة تمامًا؛ كنت أظن أن الملك سيأتي في سيارة واحدة، يرافقه رجل أمن أو اثنان، ثم يتوقف أمامنا لنسلّم عليه واحدًا واحدًا، كنت أحلم أن أراه عن قرب، وأن تمتد يدي الصغيرة لتصافح يده، كنت أحدث نفسي بأني سأفتخر على أقراني وأخبرهم بأني سلمت على الملك فيصل.
لكن حين ظهر الموكب، كان أكبر بكثير مما تخيلته، سيارات متتابعة لا يكاد يُرى آخرها، وعسكر وجنود، وهيبة، وحضور يملأ المكان كله، مرّ الموكب سريعًا، شعرت حينها بحسرة طفلٍ صغير فقد الأمل بالحصول على أمنية يعلم أنه لن يحصل عليها مرة أخرى، وما أنساني مرارة تلك الحسرة هو فرحتي الغامرة برؤية موكب الملك، لقد كنت طفلاً جمع في لحظة واحدة بين فرحة اللقاء من بعيد وحسرة عدم السلام من قريب.
فالملك فيصل لم يكن مجرد حاكمٍ يتربع على عرش بلاده، بل كان رمزًا للعزة والكرامة والحكمة.
كان اسم الملك فيصل -رحمه الله- يملأ القلوب مهابةً ومحبة، وتلتف حوله مشاعر الناس في كل مكان، فقد عرفه المسلمون قائدًا حمل هموم وطنه وشعبه وأمته، ودافع عن قضاياها، وسعى لجمع كلمتها، حتى أصبح محل تقديرٍ وإجلالٍ في أنحاء العالم الإسلامي لما يمثّله من حكمةٍ وقيادةٍ ومواقف خالدة. واليوم وبعد أن مضت عقود طويلة على تلك اللحظة، أدركت أن سرّ ذلك الاحتفاء الكبير هو المكانة العظيمة التي كان يحتلها الملك فيصل في نفوس الناس الذين اصطفوا لرؤية وتحية رجلٍ أحبته القلوب قبل أن تراه العيون
غير أن ذلك اليوم لم يخلّف في ذاكرتي صورة الملك وحده، بل ترك صورة أخرى صورة محفورة في روحي قبل أن تكون محفوظة في ذاكرتي. صورة لم تطفئ الأيام بريق ألوانها أو تنتزع دفئها من قلبي إنها صورة والدي رحمه الله.
فبينما كانت الأبصار كلها تتجه نحو الطريق تنتظر مرور الملك فيصل، كنت أرفع بصري تارة نحو الطريق مثلهم، وتارة أخرى نحو والدي، الذي كان واقفًا يؤدي واجبه بكل اعتزاز، مرتديًا زيه العسكري، يحمل بندقيته التي تتلألأ في مقدمتها الحربة تحت أشعة الشمس، ثابت الخطوة، شامخ القامة، مهيب الطلعة.
وما زلت إلى هذا اليوم أتذكر تلك النظرات التي أنظرها إليه بين لحظة وأخرى، لم يكن والدي في عينيّ مجرد جندي يؤدي مهمة، ولا رجل أمن ينظّم الحشود، بل كان أكبر من ذلك كله.
كان بطلي الأول. كان الرجل الذي ملأ الدنيا في عيني الصغيرة.
كنت أنظر إليه بإعجاب يفوق الوصف، وبفخر يكاد يفيض من صدري الصغير، حضوره يملأ المكان كله، ولم يكن في نظري أحد يضاهيه وقارًا أو جمالًا أو شموخًا.
لقد كانت سعادتي في ذلك اليوم سعادة مضاعفة؛ سعادة بمرور الملك فيصل وتحيته، وإن لم تتح لي فرصة رؤيته كما تمنيت، وسعادة برؤية والدي واقفًا في ميدان الشرف والواجب، يزينه الوقار. ومع تعاقب السنين، لا يزال ذلك اليوم حاضرًا في ذاكرتي بكل تفاصيله بصباحه الشتوي القارس، وهوائه الذي يلسع الوجوه، أتذكر القلق الذي يخفق في الصدور، والشوق المتقد في القلوب، ونحن ننتظر قدوم الملك فيصل، والرهبة والهيبة التي أحاطت بالمكان لحظة وصوله، والفرحة العارمة وأنا أرى موكبه المهيب يمر أمامي على بُعد خطوات مني.
وتبقى صورة والدي، هي الصورة التي كلما استحضرتها شعرت بالفخر ذاته الذي ملأ قلب ذلك الطفل الصغير قبل أكثر من نصف قرن، وكأن الزمن توقف عند تلك الوقفة الشامخة، وذلك الوجه العزيز، وذلك الأب الذي ما زال يسكن القلب وإن غاب عن العين.
رحم الله الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، ورحم الله والدي الغالي وأسكنهما فسيح جناته.