جانبي فروقة
كان النجاح في عالم التوزيع على مدى عقود طويلة يقاس بعدد المستودعات التي تملكها الشركة وعدد الشاحنات التي تحمل شعارها وحجم المخزون الموجود على أرففها وكانت المعادلة بسيطة نسبياً ألا وهي من يملك شبكة أكبر يسيطر على السوق أكثر لكن يبدو أن هذه المعادلة بدأت تتغير ففي تقرير حديث صادر عن ماكنزي بعنوان «حيث تُربح القيمة وتُفقد في التوزيع» (Where Value is won and Lost in Distribution) تشير الشركة الاستشارية إلى أن قطاع التوزيع الأمريكي دخل مرحلة جديدة من المنافسة مرحلة لم يعد فيها الحجم وحده كافياً لضمان النجاح فالذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية والبيع المباشر للمستهلك أصبحت تعيد رسم قواعد اللعبة بالكامل وربما تكون الملاحظة الأكثر أهمية في التقرير أن التقلب لم يعد حدثاً استثنائياً بل أصبح الحالة الطبيعية الجديدة فمنذ جائحة كورونا مروراً بأزمات الشحن العالمية والحروب التجارية وارتفاع أسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية من الحرب الروسية الأوكرانية إلى حرب أمريكا وإيران وجدت شركات التوزيع نفسها تعمل في بيئة لا تعرف الاستقرار وما كان يُعتبر أزمة قبل سنوات أصبح جزءاً من الحياة اليومية لكن وسط هذه الفوضى تظهر فرصة تاريخية حيث أن تقرير ماكنزي يرى أن الفائزين في العقد القادم لن يكونوا بالضرورة أكبر الشركات بل الشركات التي تستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي والبيانات والثقة إلى مصادر جديدة للقيمة أكد هذا الاستنتاج شركات أخرى مثل شركة Boston Consulting Group بوسطن للاستشارات حيث توصلت في دراسات متعددة إلى نتيجة مشابهة مفادها أن الشركات التي نجحت في دمج الذكاء الاصطناعي داخل عملياتها التشغيلية حققت معدلات نمو وربحية أعلى من الشركات التي تعاملت معه كمشروع تقني منفصل أما غارتنر Gartner فتتوقع أن أكثر من نصف القرارات التشغيلية في سلاسل الإمداد العالمية ستعتمد بحلول نهاية العقد على أنظمة ذكاء اصطناعي وتحليلات متقدمة بدلاً من الخبرة البشرية التقليدية وحدها وبمعنى آخر لم يعد السؤال: هل ستستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح السؤال: هل ستبقى قادرة على المنافسة إذا لم تستخدمه؟ ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تقرير ماكنزي أن نحو 90% من شركات التوزيع لديها بالفعل مبادرات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لكن 11% فقط نجحت في تحويل هذه المبادرات إلى تطبيقات تشغيلية متكاملة تحقق أثراً ملموساً على الأرباح وهناظهر المشكلة الحقيقية حيث أن التحدي لم يعد في شراء التكنولوجيا بل في القدرة على توظيفها والعديد من الشركات تملك برامج ذكاء اصطناعي متطورة لكنها ما زالت تدير التسعير والمخزون والمبيعات بالطريقة نفسها التي كانت تتبعها قبل عشر سنوات أما الشركات التي حققت نتائج استثنائية فقد ذهبت أبعد من ذلك فوفقاً لماكنزي استطاعت بعض المؤسسات التي دمجت الذكاء الاصطناعي في المشتريات وإدارة الموردين تحقيق وفرات تراوحت بين 15 و35 في المائة مع ارتفاع الكفاءة التشغيلية بنحو 90 في المائة لكن التحول الرقمي لا يتوقف عند الذكاء الاصطناعي فهناك تحول آخر أكثر عمقاً يحدث بصمت ففي عام 2022 كان نحو ثلث المشترين الأمريكيين يعتبرون القنوات الرقمية وسيلتهم الأساسية للشراء أما اليوم فقد ارتفعت النسبة إلى 57% وهذه الأرقام تعني أن التجارة الإلكترونية لم تعد مجرد قناة إضافية للبيع بل أصبحت البنية الأساسية التي يُبنى عليها نموذج الأعمال نفسه وفي هذا السياق تبرز قصة شركة Grainger الأمريكية وهي إحدى أكبر شركات توزيع المعدات الصناعية في العالم فالشركة استثمرت لسنوات طويلة في بناء منصة رقمية متكاملة تربط العملاء بالمخزون والموردين والبيانات في الوقت الفعلي واليوم يأتي جزء كبير من إيراداتها عبر القنوات الرقمية فقد نمت مبيعات الشركة من 7 مليارات دولار في 2010 إلى 17.9 مليار دولار في 2025 مع ارتفاع التجارة الألكترونية من 23% في 2010 م إلى أكثر من 70% اليوم فقد تحولت المنصة الإلكترونية من أداة خدمة إلى محرك نمو رئيسي وهذا التوجه لا يقتصر على الولايات المتحدة وفي آسيا وأوروبا تتجه الشركات الصناعية الكبرى إلى تحويل التوزيع من نشاط لوجستي إلى منظومة رقمية متكاملة تعتمد على البيانات والتنبؤات والتحليلات الذكية فمثلا في قطاع توصيل المطاعم في دول الخليج لم يعد التوصيل مجرد خدمة مريحة للمستهلك بل تحول إلى أحد أسرع مكونات الاقتصاد الرقمي نمواً في المنطقة فمع توقعات بارتفاع حجم السوق من نحو 19.5 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 48 مليار دولار بحلول 2034 تقود السعودية والإمارات هذا التحول مدعومتين بانتشار الإنترنت والهواتف الذكية بين الأعلى عالمياً وفي ظل توسع المطابخ السحابية والذكاء الاصطناعي والتجارة السريعة تتنافس منصات مثل طلبات وهنقرستيشن وجاهز وكريم وكيتا على إعادة تشكيل تجربة المستهلك اليومية واليوم لم تعد هذه المنصاتنقل الطعام فقط بل أصبحت جزءاً محورياً من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي الخليجي ومستقبل التجارة والخدمات الذكية في المنطقة لكن ربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه الموزعين اليوم هو ظهور نموذج البيع المباشر للمستهلك أو ما يعرف بـ D2C. فلسنوات طويلة كان المصنع يحتاج إلى موزع للوصول إلى السوق أما اليوم فأصبح بإمكانه الوصول مباشرة إلى العميل عبر منصة إلكترونية وتطبيق هاتف وخوارزمية ذكاء اصطناعي ولهذا السبب يتوقع 86% من الموردين الذين شملتهم دراسة ماكنزي زيادة استثماراتهم في البيع المباشر خلال السنوات القادمة وهنا يطرح سؤالاً وجودياً على قطاع التوزيع ألا وهوإذا أصبح المصنع قادراً على الوصول إلى العميل مباشرة، فما الحاجة إلى الموزع؟ والإجابة التي يقدمها التقرير مثيرة للاهتمام فالموزع الناجح مستقبلاً لن يكون مجرد وسيط بين المنتج والمستهلك بل سيتحول إلى مزودا للقيمة حيث أنه سيقدم الخبرة الفنية والحلول اللوجستية والقدرة على إدارة المخزون وخدمات ما بعد البيع والبيانات السوقية التي يصعب على المصنع توفيرها بمفرده بعبارة أخرى سيبقى الموزع الذي يضيف قيمة ويختفي الموزع الذي يضيف تكلفة فقط وهنا نصل إلى أهم فكرة في المقال كله ألا وهي الثقة التي قد تبدو كلمة بسيطة لكنها أصبحت اليوم أحد أهم الأصول الاقتصادية في عالم التوزيع ففي الماضي كان العميل يبحث عن أقل سعر أما اليوم فهو يبحث عن المورّد الذي يستطيع الوفاء بوعده الذي يضمن أن تكون البضاعة متوفرة عندما يحتاجها وأن تصل في الوقت المحدد وأن يكون السعر واضحاً وأن تكون المعلومات دقيقة فقد تحولت الثقة من قيمة أخلاقية إلى ميزة تنافسية وحتى شركة ديلويتي Deloitte أشارت في دراساتها الأخيرة إلى أن الشفافية وسرعة الاستجابة أصبحتا من أهم العوامل المؤثرة في قرارات الشراء لدى العملاء الصناعيين متقدمة في كثير من الحالات على عامل السعر نفسه ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن التكنولوجيا نفسها هي التي رفعت قيمة الثقة فالذكاء الاصطناعي والتحليلات الفورية وأنظمة تتبع المخزون جعلت الأخطاء أكثر وضوحاً من أي وقت مضى ولم يعد بالإمكان إخفاء التأخير أو نقص المخزون أو ضعف الأداء فكل شيء أصبح مرئياً لحظياً ولهذا أصبحت الثقة قابلة للقياس تقريباً.
إن الميزة الحقيقية ستذهب إلى الشركات التي تستطيع بناء منظومات رقمية متكاملة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار وتحويل البيانات إلى أداة لفهم العملاء وبناء الثقة كأصل استراتيجي طويل الأمد لقد أمضى قطاع التوزيع عقوداً وهو يتنافس على الحجم أما العقد القادم فيبدو أنه سيكون عقد المنافسة على الذكاء وفي عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع تقريباً، قد لا يكون الأصل الأغلى هو التكنولوجيا نفسها بل الثقة التي تستطيع الشركة بناءها حول تلك التكنولوجيا فالمستودعات يمكن بناؤها والخوارزميات يمكن شراؤها أما الثقة فلا تزال تُكتسب بالطريقة القديمة نفسها: وعدٌ يُعطى ثم يُنفذ وهي التي تغني تجربة العميل بامتياز وتجعل التوزيع الذكي الذي يخلق قيمة هو الضامن لاستمرارية نجاح الشركات.