د. يوسف بن طراد السعدون
«شنشنة أعرفها من أخزم»، مثل عربي يعني أن الطبع أو السلوك السيئ أو التهور متوارث. ويُضرب المثل لمن يظهر خصالاً سيئة، مألوفة فيه أو في قومه. فالشنشنة هي السجية، وأخزم شخص قديم مشهور بصفة معينة (كالعقوق أو الخبث أو التهور).
ومن يتصفح مذكرة التفاهم التي أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران لإنهاء الحرب، لا يملك إلا أن يقول «شنشنة أعرفها في أمريكا». فالحروب والتدخلات الأمريكية الخارجية السابقة (كفيتنام، وكوريا، وأفغانستان، والعراق، وغيرها) التي كبدتها تكاليف عالية، أسفرت غالبًا عن نتائج عكسية وفتحت الباب أمام موجات جديدة من العنف والفوضى. وعلى الرغم من كل ذلك فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تدّعي الفوز، وتواصل الحروب والإخفاقات، وكأنها أسرى (شنشنة) تعيق إدراكها للحقائق.
وبالتالي ليس مستغرباً إبرام إدارة الرئيس ترامب مذكرة التفاهم، مدعية أنها حققت «فوزا عظيماً»، بينما الحقائق تظهر خلاف ذلك. فالمذكرة أجلت حل معظم القضايا (وأهمها البرنامج النووي الإيراني) إلى فترة تفاوض مدتها ستين يوماً، قابلة للتمديد لأجل غير محدد. كما أنها تضمنت التزامات أكبر على أمريكا مقابل تعهدات محدودة من إيران، حيث كانت كالتالي:
أولاً: الالتزامات الإيرانية
بذل قصارى الجهد لتوفير المرور الآمن للسفن التجارية مجانًا، لمدة ستين يومًا فقط، ومباشرة عمليات إزالة الألغام في غضون ثلاثين يومًا، وإعادة التأكيد على أنها لن تسعى للحصول على أسلحة نووية أو تطويرها، وتسوية وضع مخزون المواد المخصبة وفقاً لآلية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين، مع اعتماد منهجية تقضي بخفض مستوى تخصيب المواد في الموقع نفسه وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ثانياً: الالتزامات الأمريكية
الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته، والتعهد من الآن فصاعدًا بعدم شن أي حرب أو عملية عسكرية، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، واحترام السيادة وسلامة الأراضي، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية، ورفع الحصار البحري وأي عوائق أو عرقلة أمام إيران، وإنهائه بالكامل في غضون ثلاثين يومًا، وخلال هذه الفترة، ستكون حركة السفن متناسبة مع أعداد السفن التي كانت تسيرها إيران قبل الحرب، وسحب القوات من محيط إيران في غضون ثلاثين يومًا من تاريخ الاتفاق النهائي، ووضع خطة نهائية متفق عليها بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار أمريكي لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية، ومنح التراخيص والإعفاءات والتصاريح اللازمة للمعاملات المالية ذات الصلة، وإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأمريكية الأحادية، الأساسية والثانوية، ومناقشة مسألة التخصيب وغيرها من المسائل المتفق عليها والمُتعلقة بالاحتياجات النووية الإيرانية، وذلك استنادًا إلى إطار عمل مُرضٍ يتم الاتفاق عليه ضمن الاتفاق النهائي، وعدم فرض أي عقوبات جديدة، وعدم نشر قوات إضافية في المنطقة، وفور توقيع مذكرة التفاهم وحتى رفع العقوبات، ستقوم وزارة الخزانة الأمريكية بإصدار إعفاءات تسمح بتصدير النفط الخام والمنتجات البترولية ومشتقاتها الإيرانية، وبالإضافة إلى كافة الخدمات المرتبطة بذلك، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمين والنقل وغيرها، وإتاحة استخدام الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة الخاصة بإيران بالكامل عند تنفيذ مذكرة التفاهم، وتُتاح هذه الأموال بالكامل -سواء عبر الحساب الأصلي أو عن طريق التحويل- لسداد المدفوعات لأي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي الإيراني، كما تتعهد أمريكا بإصدار كافة التراخيص والتصاريح اللازمة وفقاً لذلك.
وقد أكد نيت سوانسون (الذي شغل منصب مدير إيران بمجلس الأمن القومي الأمريكي) الإخفاق الأمريكي، في مقاله «إيران انتصرت في الحرب لكنها قد تفقد السلام» المنشور بمجلة الشؤون الخارجية بتاريخ 18 يونيو 2026، حيث قال «عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في أواخر فبراير، كان النظام في طهران في موقف ضعف، يواجه أزمات اقتصادية، وتضاؤل القدرات الدفاعية، واضطرابات داخلية. ولكن بعد أربعين يوماً من الحرب وشهرين من وقف إطلاق النار، خرجت إيران سليمة ومسلحة بردع جديد: سيطرتها على مضيق هرمز». وحتى يتم التوصل إلى صيغة الاتفاق النهائي، وهو مستبعد، سوف يحتار العالم: هل من أبرم مذكرة التفاهم تلك حكيم مصاب بالجنون؟ أم مجنون لديه عقل حكيم؟ ولا بد أن يرتاب أيضا من سيناريوهات المستقبل المحتملة، لعلمه بالمشاركة البارزة للصهاينة في صياغة بنود المذكرة.
والتساؤل الأهم: ماذا سوف يحدث بعد انتهاء فترة ترامب الرئاسية، وكيف سوف تكون الأوضاع؟ وهل احتاطت إستراتيجيات دول المنطقة لكافة الاحتمالات؟
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإنها حظيت دوما بقيادة وحكومة رشيدة، منذ تأسيسها على يد المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وحتى الآن، ولا يخفى عنها أحوال السياسة الدولية وتقلبات الإدارات الأمريكية. وتتخذ قراراتها باستقلالية وحكمة فيما يخدم مصالح الوطن والأمتين العربية والإسلامية. ويثبت ذلك مواقفها المشرفة منذ إدارة روزفلت وحتى وقتنا الراهن، ونزعتها للسلام والتعاون الصادق الجاد مع الدول الشقيقة والصديقة.
خاتمة: من أقوال الشاعر عبدالله بن عون:
لا كل سيد في جميع الامور يسود
ولا كل من قاد الظوامي يوردها
وراعي المعيبه لو عيبه عليه اشهود
يشوف المعايب ثم يجيك امتهبدها
ولا بد ما تطلع على غاية المقرود
خفايا النفوس العفن تظهر مقاصدها