حذامي محجوب
في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، حيث تتبدل التكنولوجيا خلال أشهر قليلة، وتتصدر الأجيال الجديدة واجهات الاقتصاد والثقافة والإعلام ، تبدو السياسة وكأنها تعيش وفق ساعة زمنية مختلفة.
فبينما ينشغل العالم بالذكاء الاصطناعي والثورات الرقمية وصعود الشباب، لا تزال مفاتيح القرار الدولي في أيدي رجال تشكل وعيهم قبل عقود طويلة، في زمن الحرب الباردة والتلفزيون التقليدي والرسائل الورقية.
في شهر يونيو الجاري، احتفل دونالد ترامب بعيد ميلاده الثمانين وسط أجواء سياسية وإعلامية صاخبة.
وبعده بيوم واحد، بلغ شي جين بينغ الثالثة والسبعين بعيدا عن الأضواء. أما فلاديمير بوتين فقد تجاوز السبعين ، فيما يقترب ناريندرا مودي من الخامسة والسبعين. ورغم اختلاف أنظمتهم السياسية وأفكارهم وخياراتهم الإستراتيجية، فإنهم ينتمون جميعا إلى جيل واحد تقريباً: جيل الطفرة السكانية الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، والذي لا يزال يحتفظ بموقعه في قمة هرم السلطة العالمية.
المفارقة أن العالم الأكثر تسارعا في تاريخه هو نفسه العالم الذي ما زال يُدار إلى حد كبير من قبل جيل تشكل في عصر مختلف تماماً. ففي الوقت الذي يتعامل فيه الشباب مع الواقع الرقمي بلغة جديدة، ويعيشون على إيقاع الابتكار المستمر، يجلس على رأس القوى الكبرى قادة عاشوا طفولتهم في عالم كانت فيه الحرب الباردة هي الإطار الأساسي لفهم السياسة الدولية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد مصادفة ديموغرافية ، بل بظاهرة سياسية عميقة. فالكثير من النخب الحاكمة اليوم تنتمي إلى جيل شهد إعادة بناء العالم بعد الحرب العالمية الثانية ، وصعود الاقتصاد الصناعي ، وتوسع الدولة الوطنية ، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي وولادة النظام العالمي الجديد. هذه التجارب الكبرى تركت أثراً واضحاً على طريقة تفكيرهم في القوة والنفوذ والأمن وإدارة الأزمات.
في الولايات المتحدة، أعاد الجدل حول عمر القادة تسليط الضوء على استمرار نفوذ جيل الطفرة السكانية داخل المؤسسة السياسية.
فشخصيات مثل جورج بوش الابن وبيل كلينتون ما زالت حاضرة في المشهد العام، رغم مرور عقود على وصولها إلى السلطة. ويرى عدد من المحللين أن هذا الجيل استفاد من مرحلة تاريخية استثنائية اتسمت بالنمو الاقتصادي والاستقرار النسبي، وهو ما ساعد على تشكيل ثقته العالية بدوره التاريخي.
لكن صورة هذا الجيل ليست واحدة في مختلف المجتمعات. ففي فرنسا مثلاً، أصبح جيل «البيبي بومرز» موضوع انتقادات متزايدة من بعض الأجيال الأصغر التي ترى أنه استفاد أكثر من غيره من عقود الازدهار، وترك للأجيال اللاحقة تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة. وفي الولايات المتحدة، يواصل عدد كبير من الأشخاص بين الخامسة والستين والرابعة والسبعين العمل، ما جعل بعض المراقبين يتحدثون عن جيل يرفض مغادرة المشهد.
ومع تزايد حضور القادة المتقدمين في السن، عاد السؤال القديم إلى الواجهة: هل الخبرة الطويلة ميزة ضرورية في عالم مليء بالأزمات، أم أنها قد تتحول إلى عائق أمام التجديد؟.
دراسة لمركز «بيو للأبحاث» حول أعمار قادة العالم كشفت أن عدداً محدوداً فقط من القادة يتجاوزون ترامب في السن، مع وجود عدد من الزعماء الذين دخلوا الثمانينات. كما أظهرت مفارقة لافتة: أن جزءا مهما من أكبر قادة العالم سناً يوجد في إفريقيا ، القارة التي تمتلك في المقابل أصغر متوسط عمر للسكان. وهي فجوة تعكس أحيانا المسافة بين شباب المجتمعات وقدم النخب السياسية التي تديرها.
في المقابل، يبقى حضور القادة الشباب محدودا نسبيا على الساحة الدولية.
فرغم الحديث المتكرر عن ضرورة تجديد الطبقة السياسية، لا تزال المناصب الأكثر تأثيراً حكراً إلى حد كبير على أجيال أكبر سناً، مقارنة بحضور محدود لمن هم في الثلاثينيات والأربعينيات.
وهذه ليست ظاهرة جديدة. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، واجه الاتحاد السوفياتي انتقادات واسعة بسبب ما عُرف بـ»حكم الشيوخ»، عندما بدا أن القيادة السياسية أصبحت منفصلة عن روح العصر. وربط بعض المؤرخين لاحقا بين ذلك الجمود وبين صعوبة التكيف مع التحولات التي انتهت بسقوط الاتحاد السوفياتي.
غير أن الزمن نفسه تغير. فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، ولم تعد السبعون أو الثمانون تعنيان بالضرورة ما كانتا تعنيانه في الماضي.
فالتقدم في العمر لم يعد مرادفا تلقائيا للتراجع، خصوصا بالنسبة لمن يحافظون على القدرة الذهنية والطاقة السياسية.
ولهذا تختلف النظرة إلى السن باختلاف الثقافات السياسية. فبعض الأنظمة تضع حدودا عمرية أو أعرافا تحدد أهلية تولي المناصب العليا، بينما ترى أنظمة أخرى أن التجربة الطويلة عنصر قوة لا يمكن الاستغناء عنه.
أما ترامب، الذي جعل من عمر منافسه جو بايدن موضوعا أساسيا في صراعاته السياسية، فقد وجد نفسه لاحقا في دائرة الاهتمام نفسها ، بعدما أصبح عمره وصحته موضع متابعة دقيقة من الإعلام والرأي العام.
وفي المقابل، قدم شمعون بيريز رؤية مختلفة لمسألة العمر، إذ كان يعتبر أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بما ينجزه خلالها وبقدرته على الاستمرار في العطاء.
ولهذا يصعب تحديد «العمر المثالي» للقيادة. فالتاريخ يعرف قادة صنعوا تأثيرهم وهم في بدايات حياتهم، كما يعرف شخصيات تركت بصمتها وهي في مراحل متقدمة من العمر.
وبين من يطالبون بفتح المجال أمام أجيال جديدة، ومن يرون أن الخبرة المتراكمة لا يمكن تعويضها، يبقى الجدل مفتوحا.
وربما كان اللافت في هذه الظاهرة أنها لا تتعلق بالعمر فقط ، بل بقصة جيل كامل رفض مغادرة المسرح. جيل شهد نهاية الحرب العالمية الثانية ، وعاصر الحرب الباردة، ورأى سقوط الاتحاد السوفياتي، ويقود اليوم عالم الذكاء الاصطناعي والصراعات الجيوسياسية الجديدة.
إنها مفارقة العصر: التكنولوجيا تتغير بسرعة، المجتمعات تتجدد، لكن السلطة ما زالت تعرف كيف تطيل عمرها.
فهل نحن أمام نهاية عهد جيل الطفرة السكانية وبداية انتقال تاريخي نحو قيادات أصغر سنا؟ أم أن هذا الجيل سيواصل إدارة العالم لسنوات أخرى؟.
حتى الآن، يبدو أن الزمن يتقدم.. أما السلطة فلا تزال تعرف كيف تؤجل الشيخوخة.