د. غالب محمد طه
لفت انتباهي ما خطه الدكتور إبراهيم بن جلال فضلون، وهو يطلق صرخة تحذيرية حول ما سمَّاه «المقصلة الرقمية للتعليم.. أين يقف العالم العربي؟!»، كاشفاً عن خطرٍ يتقدم بهدوء نحو مكامن التفكير لدى الناشئة. غير أن قراءة هذا التحذير من زاوية أوسع تطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل ما نواجهه اليوم مجرد اضطراب في مسار التعليم، أم أننا أمام تحول يمس طريقة تشكّل الوعي نفسه بعدما أصبحت الخوارزميات جزءاً من آليات الإدراك؟
ما طرحه دكتور فضلون في تقديري لا يمكن اختزاله في الترف الفكري أو الحنين إلى الماضي، بقدر ما يستدعي قراءة اتصالية متأنية ترصد لحظة فارقة يعيشها العالم العربي؛ لحظة تتقاطع فيها سياسات التعليم مع مستقبل الهوية، وتتأرجح بين إغراءات التحديث ومحاذير إعادة تشكيل الوعي.
وسط أحاديث تتردد في البيوت والمدارس حول أثر التقنية على مهارات التعبير، تبرز قصة لطالبة متفوقة طُلب منها كتابة فقرة قصيرة دون استخدام الهاتف الذكي، فوجدت نفسها عاجزة عن البدء. قد تبدو القصة فردية، لكنها تشير إلى تحوّل أعمق في علاقة الجيل الجديد باللغة، وفي قدرته على استحضار أفكاره دون وسيط رقمي.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً واسعة في تخصيص التعليم وتخفيف الأعباء عن المعلمين، إلا أن التسارع نحو تبنيه قد يسبق أحياناً تقييم أثره في بنية الوعي نفسها. فالفاصل بين كونه أداة مساعدة وبين تحوله إلى مؤثر غير مباشر في أنماط التفكير فاصل دقيق. وهنا تتداخل قضايا التعليم مع ما يُعرف في السياسات العامة بـ»الدبلوماسية الرقمية»، حيث تتحول المنصات العالمية إلى أدوات تأثير عابرة للجغرافيا.
تُظهر التجارب أن المجتمعات التي احتفظت بقدرتها على التفكير الحر كانت الأقدر على توظيف التقنية دون أن تنجرف خلفها. فالتقدم لا يتحقق حين تتصدر الآلة المشهد، بل حين يبقى الإنسان قادراً على توجيهها، ومحصناً ضد أن تتحول إلى مرجع بديل للعقل.
وما يُسمّى اليوم التحول الذكي يعيد صياغة الطريقة التي يتلقى بها المتعلم المعرفة. فعندما يحصل الطفل على إجابات جاهزة بضغطة زر، تتراجع تدريجياً مهارات البحث والاستدلال إذا غاب التوجيه التربوي، وتضعف الصلة بين المتعلم ومصادر المعرفة، ليتحول من متلقٍ ناقد إلى متلقٍ سلبي. ومع الوقت، لا تتآكل سرعة الوصول إلى المعلومة بقدر ما تتآكل القدرة على تحليلها وتقييمها. وفي هذا السياق، يتغير دور المعلم من ناقل معرفة إلى مرشد تربوي يرافق الطالب داخل بيئة معرفية مفتوحة، ويقوده إلى اختبار المعلومة قبل تبنيها.
ويتجاوز الأمر حدود التعليم إلى العلاقات الإنسانية. فالنماذج التوليدية لم تعد تكتفي بتقديم المعلومات، بل تحاول تقليد الإصغاء والتفاعل العاطفي، فتبدو أحياناً أكثر حضوراً من المحيط البشري نفسه. وهنا يظهر مصدر قلق فعلي: إذ قد يجد الطفل أمامه «رفيقاً رقمياً» يمنحه اهتماماً فورياً ومستداماً. وهنا تتضح أهمية الدور التربوي للمعلم بوصفه مصدراً لبناء الثقة وترسيخ الحس الأخلاقي، وهي وظائف لا يمكن لأي نظام خوارزمي أن يضطلع بها مهما تطور.
هذه المخاوف لم تعد افتراضية، إذ بدأت مؤسسات بحثية دولية رصد مؤشرات على آثار معرفية وسلوكية مرتبطة بالاستخدام المفرط لهذه الأدوات، بما يعزز الحاجة إلى مراجعة منهجية قبل ترسخ أنماط تعلم يصعب تعديلها لاحقاً.
من هنا، يصبح الحديث عن السيادة الفكرية والأمن الثقافي ضرورة عملية. فالنماذج اللغوية السائدة لم تُصمم داخل سياقاتنا الثقافية، واستيرادها دون حوكمة معرفية وتشريعية قد ينتج تأثيرات غير مباشرة على منظومة القيم. ومع ذلك، فإن مواجهة هذا التحدي لا تعني الانغلاق، بل بناء قدرة محلية على الفهم والفرز والتوجيه.
وفي سياق الحوكمة، يبرز «ميثاق الرياض للذكاء الاصطناعي في العالم الإسلامي» كإطار مرجعي يمكن البناء عليه في صياغة سياسات تعليمية وإعلامية أكثر توازناً. فالوثيقة لا تقدم حلولاً تنفيذية جاهزة، لكنها تضع مبادئ تنظيمية تتعلق بالعدالة والشفافية وحماية الطفل. وتكمن أهميته في قابليته للتحول إلى منظومة تطبيقية داخل التشريعات الوطنية والمؤسسات التعليمية، بحيث لا يبقى في مستوى الإعلان، بل ينتقل إلى الممارسة.
وأمام هذا التحول، تبرز خطوات عملية واضحة: إدراج «محو الأمية الخوارزمية» في المراحل التعليمية المبكرة، بما يعزز قدرة الطفل على التفكير المستقل قبل الاعتماد على الأدوات الرقمية. كما تبرز ضرورة إخضاع المحتوى الرقمي لتقييم بشري تربوي قبل دخوله البيئة الصفية، بما يضمن ضبط أثره. ويأتي دور المعلم ليعاد تعريفه بوصفه شريكاً في تحليل المحتوى وكشف تحيزاته، لا مجرد ناقل له.
إننا أمام لحظة مراجعة عالمية متسارعة، إذ تتزايد الدراسات حول الآثار المعرفية والسلوكية للاعتماد المفرط على الأدوات الرقمية، فيما تعيد مؤسسات عدة النظر في سياساتها التعليمية. وهنا تتأكد الحاجة إلى رؤية عربية متوازنة تجمع بين الاستفادة من الفرص وحماية الإنسان، عبر ميثاق لحقوق الطفل العربي في الفضاء الرقمي، واستثمار جاد في بناء أدوات رقمية تنطلق من لغتنا وسياقنا.
ويظل السؤال الذي طرحه الدكتور إبراهيم بن جلال فضلون في بداية حديثه قائماً: هل أدخلنا الذكاء الاصطناعي إلى عقول الأطفال قبل أن نفهم تماماً ما يمكن أن يفعله بها؟
قد لا تكون الإجابة جاهزة بعد، لكن المؤكد أن إدارة المستقبل لا تقوم على الخوف أو الاندفاع، بل على وعي نقدي يوازن بين ما تمنحه التقنية وما قد تسحبه إن تُركت بلا ضبط. وبين صرخة التحذير وبوادر الواقع، تتحدد ملامح معركة الوعي: ليست معركة ضد الذكاء الاصطناعي، بل معركة من أجل الإنسان الذي يستخدمه.