د.عبدالرحمن الحبيب
«نروي لأنفسنا قصصًا لكي نعيش»، حسب تعبير الكاتبة الأمريكية جوان ديديون. فنحن نبتكر القصص لنرتب الأحداث المبعثرة والصور المتناثرة التي نمر بها، من أجل فهم العالم وإضفاء معنى وهدف على تجاربنا؛ إذ «اتضح أن أدمغتنا قادرة على إيجاد قصة في أي شيء»، وفقاً لعالمة الأعصاب د. لورا ساندرز.
مؤلف كتاب «كيف تجعل حصاناً يطير» ورائد التكنولوجيا بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كيفن أشتون، يرى أن ما يجعلنا بشراً هو قدرتنا الفطرية على وضع الأحداث في سياق، وتطوير الشخصيات ودوافعها، لبناء التشويق وجذب الانتباه؛ مشيراً إلى أن سرد القصص حاضر في كل مكان بدءاً من حكايات نار المخيم وفنون الكهوف القديمة، مرورًا بالملاحم والألواح المسمارية، وفن عصر النهضة، وصولًا إلى التكنولوجيا الرقمية في عصرنا التي أتاحت لكل من يملك هاتفًا ذكيًا أن يروي القصص.
لكن ماذا عن قصة القصص نفسها؟ هذا ما يخبرنا به أشتون في كتابه الجديد «قصة القصص: تاريخ مليون عام لفن بشري فريد»، متتبعاً تاريخًا شاملاً للقصص من رسومات الكهوف المبكرة إلى السينما، ومن سرديات الفلاسفة القدماء إلى إبداعات الذكاء الاصطناعي، لمساعدتنا على فهم موقعنا في العصر الرقمي.
يفاجئنا أشتون بفكرته: «لم تكن اللغة هي التي قادتنا إلى القصص، بل القصص هي التي قادتنا إلى اللغة»، مشيراً إلى أنه منذ ذلك الحين سمح تطور السجع والقافية والإيقاع والغناء وغيرها من وسائل التذكر بحفظ القصص الشفهية عبر الأجيال.
يبدأ الفصل الأول بالنار التي أوقدها أسلافنا، يجتمعون حولها ليلًا عندما تتلاشى ضغوط ومتاعب النهار: «في دفء وأمان لهيبهم، كانوا يتبادلون الأحاديث عن وقائع يتذكرونها ويتخيلونها، من أماكن وأزمنة قريبة وبعيدة؛ أو كانوا يبدأون في سرد القصص».. تلك النيران الأولى أوجدت أقدم جمهور لرواية القصص الشفهية.
من وهج النار البرتقالي المتلألئ إلى الضوء الأزرق الخافت لشاشات الهواتف الذكية، تقدم الفصول التالية أمثلة تاريخية وحكايات طريفة، حول كيفية تناقل القصص من شخص لآخر ومن جيل لجيل، عبر رحلة ثورات كبرى في فن القصة: الأشكال والصور المرسومة على جدران الكهوف منحت القصص ديمومة؛ والكتابة مكّنت من نشر الحكايات إلى أماكن بعيدة؛ والطباعة زادت الاتساع وقادت إلى القصص إلكترونية، ثم الرقمية.
بصفته رائداً في مجال التكنولوجيا، يوجه أشتون تحذيراً في عصر سرد القصص الرقمية: «ستؤدي تقنيات السرد الجديدة قريباً إلى طمس الحدود بين الحقيقة والزيف، وطرق خداع لم نشهدها من قبل.. علينا تطوير وعي أكبر بأنفسنا، وممارسة التأمل الذاتي، وتنمية المزيد من الشك والتواضع أكثر من أي وقت مضى».
يستشهد المؤلف بانتشار المعلومات المضللة والأكاذيب المحيطة بجائحة فيروس كورونا واللقاحات كأمثلة، وكيف ساهمت على الإنترنت في رفض بعض الناس للتطعيم، وزيادة حالات الإصابة بأمراض خطيرة، وارتفاع عدد وفيات كان من الممكن تجنبها.
وقد توسع هذا التلاعب مع قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على سرد قصص تُصوّر الخيال على أنه واقع من خلال إنشاء صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية مزيفة تبدو حقيقية.. وسيزداد هذا التلاعب مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في محاكاة الواقع حسب المؤلف، مقترحاً للخروج من هذا المأزق هو إدراك أن عقولنا غالبًا ما تنخدع، فنحن بحاجة لليقظة والشك الموضوعي والوعي النقدي للخروج من هذه الأزمة.
إذا بدا هذا قاتمًا، فإن آشتون يكتب أن انتشار القصص اليوم يمتلك القدرة على إظهار «جمال وروعة البشرية جمعاء بتنوعها»؛ وإذا كانت التحولات التكنولوجية قد أثرت على كيفية سردنا للقصص، فإنها لم تؤثر على حبنا لها، كما كتبت ساندرز.