د.عيد بن حجيج الفايدي
يقصد بالتعليم المفتوح ذلك التعليم العابر للحدود، له نماذج كثيرة ومسميات عديدة؛ فهناك منصات رسمية تقدم الشهادة الثانوية عن بُعد، وهناك تطبيقات إلكترونية ومعلم آلي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، وهناك شركات تقنية تقدم برامج متنوعة في معظم دول العالم. فهو تعليم مفتوح من حيث الوصول والتوافر، ويُصنف ضمن حركة التعليم المفتوح الحديثة، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، لكنه ليس «مفتوح المصدر» بالكامل.
ولم يعد التنافس بين عمالقة التقنية مثل جوجل، مايكروسوفت، وأنثروبيك مجرد صراع تجاري صامت يدور في الكواليس، بل تحوّل إلى سباق علني مكشوف تُعرض تفاصيله على منصات المؤتمرات الدولية الكبرى، وعلى رأسها مؤتمر لندن العالمي لتقنيات التعليم. وفي تلك الفعاليات، لا تكتفي الشركات بعرض منتجاتها كأدوات مساندة، بل تقدّم نفسها كقوى قادرة على إعادة تشكيل بنية الفصل الدراسي، وإعادة تعريف معنى التعليم ذاته، ومن ثم التأثير المباشر في الأجيال القادمة. هذا التحول ليس مجرد انتقال من بيع رخص البرمجيات للمدارس والجامعات إلى تقديم خدمات رقمية متقدمة، بل هو انتقال استراتيجي أعمق نحو السيطرة على البيئة التكوينية للعقل البشري في مراحله الأولى، مع تركيز خاص على جيل الشباب في المرحلة الثانوية.
لم تعد شركات التقنية تطرح أدوات تعليمية فحسب، بل بدأت تبني مسارات تعليمية موازية تعد الطلاب بالحصول مهارات وتدريب في فترة زمنية أقصر ، وتربط ذلك بوعد جذاب: وظيفة مباشرة وفرصة عمل فورية في قطاع التقنية بنهاية تلك البرامج المسرّعة. إن من يمتلك نظام الذكاء الاصطناعي الذي يخطط لدرس المعلم، ويقترح للطالب مساراً وظيفياً بديلاً، يملك عملياً القدرة على إعادة تشكيل المنظومة المعرفية للبشرية، وتحديد أنماط التفكير المستقبلية.
وفي هذا المجال، تتقدم كل شركة وفق مسار واضح يستند إلى نقاط قوتها التقليدية، لكنها جميعاً تتجه نحو الهدف ذاته: التوغل العميق في البيئة التعليمية. فجوجل تعمل على «التغلغل الرأسي» عبر دمج نموذجها Gemini داخل منصات راسخة يستخدمها ملايين الطلاب والمعلمين بالفعل، مثل Google Classroom وWorkspace for Education. الفكرة هنا هي تقليل الاحتكاك إلى أدنى حد، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً طبيعياً من المستندات، والعروض التقديمية، وأدوات التعاون اليومية، دون أن يضطر الطالب أو المعلم لمغادرة هذه البيئة الرقمية المألوفة.
في المقابل، تختار مايكروسوفت بوابة مختلفة: المعلم والإدارة التعليمية، عبر برامج مثل Elevate for Educators، وشبكات التدريب الاحترافي، والشهادات المعتمدة، إذ تدرك مايكروسوفت أن أكبر عائق أمام التغيير ليس التقنية ذاتها، بل مقاومة التربويين لها؛ لذلك تسعى إلى كسب ثقة المعلم أولاً، وتأهيله مهنياً ونفسياً للتعامل مع منظومة Copilot وAzure، مما يضمن ولاءه طويل الأمد لهذه البنية التقنية، ويجعلها جزءاً من هويته المهنية.
أما أنثروبيك، فتدخل السباق من بوابة مختلفة تماماً، مستثمرة خطاب «المسؤولية المجتمعية» والشراكات مع منظمات دولية غير ربحية مثل Teach For All، حيث تركّز الشركة على نقاط ضعف منافسيها: الأمان الأخلاقي، دقة التفكير النقدي، ومقاومة الهلوسة التقنية، وتقدم نموذجها Claude كمساعد تربوي رصين، لا يهدف إلى استبدال المعلم، بل إلى تعزيز مهاراته الإنسانية، وتقديم نفسه كأداة تفكير نقدي أكثر من كونه مجرد مولّد للإجابات.
هذا التوغل التقني الكثيف، الذي يُسوَّق في قمم تقنية التعليم على أنه قمة التقدم والابتكار، يفرض سؤالاً جوهرياً: إلى أين يتجه «الفصل الرقمي»؟ وما مستقبل المدرسة؟
إن الواقع لا يشير إلى مجرد تحديث أدوات التعليم، بل إلى تفكيك تدريجي للبنية الفيزيائية للمدرسة وللمقررات الدراسية التي أُعيد إنتاجها طوال العقود الماضية، والعمل جارٍ على رسم التعليم عبر ثلاثة مسارات تبدو شبه حتمية.
المسار الأول هو التحول من «المدرسة المكان» إلى «المدرسة المنصة»، فلن تختفي المدرسة كمبنى بالكامل؛ لأن الإنسان ما زال يحتاج إلى فضاء اجتماعي للتنشئة والتفاعل، لكن دور المدرسة سيتحوّل إلى مركز توجيه هجين، مدعوم بذكاء اصطناعي مكاني يتابع حركة الطلاب واحتياجاتهم المعرفية لحظة بلحظة، وفي هذا النموذج تنتهي فكرة «المنهج الموحد» لصالح خرائط تعلم ديناميكية تُفصّل الدروس يومياً بناءً على سرعة استيعاب كل طالب، ومستوى تقدمه، واهتماماته الخاصة، فيصبح التعليم أقرب إلى «مسار شخصي» منه إلى «صف جماعي».
المسار الثاني هو إعادة تعريف دور المعلم من «الملقّن» إلى «المهندس التربوي»، فالمعلم الذي يقتصر دوره على شرح المحتوى ورصد الدرجات سيجد نفسه متجاوزاً؛ لأن الخوارزميات قادرة على أداء هذه المهام بكفاءة أعلى وبشكل أكثر تخصيصاً، وسيكون المعلم المستقبلي مطالباً بما تعجز عنه الآلة: غرس القيم، بناء المهارات القيادية، إدارة المشاريع الجماعية، واحتضان البعد الإنساني في العملية التعليمية، ليصبح أقرب إلى «مصمم تجارب تعلم» منه إلى «ناقل معلومات».
أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في الصدام المباشر بين التعليم السيادي الحكومي والتعليم التجاري العابر للقارات، فالشركات الكبرى لا تكتفي بدور «المزوّد التقني» للمدارس، بل تطرح مسارات تعليمية بديلة تختصر الوقت، وتعد بالوظائف السريعة، وتمنح شهادات مهنية قد تغري الشباب أكثر من الشهادات الأكاديمية التقليدية، وهنا يتحول التعليم إلى ساحة تنافس بين الدولة والشركات على من يملك حق صياغة عقل الطالب ومستقبله.
وفي هذا النموذج التعليمي الموجّه لطلاب المرحلة الثانوية، تكمن خطورة عميقة يمكن وصفها بأنها «خصخصة مبكرة ومقنّعة للعقل البشري».
الخطر الأول، هو تحويل التعليم من رحلة لبناء الإنسان وتطوير وعيه، إلى مجرد «معسكر تدريب تقني» مصمم لتخريج عمال مطيعين يجيدون تنفيذ مهام محددة تخدم مصالح تلك الشركات، وهذا التحول يؤدي إلى تسطيح وعي الشباب، وحرمانهم من العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تشكّل العمود الفقري لبناء شخصية ناضجة قادرة على التفكير النقدي وفهم ذاتها ومجتمعها.
الخطر الثاني، يتجلى في التبعية المعرفية والاقتصادية الكاملة، فالشاب الذي توظفه الشركة بناءً على شهادتها السريعة يصبح مرتهناً لها، ليس وظيفياً فحسب بل بالتبعية الرقمية أيضاً، فإذا قررت الشركة الاستغناء عنه، أو استبداله بنموذج ذكاء اصطناعي أحدث، سيجد نفسه بلا شهادة أكاديمية رسمية معترف بها، وبلا قاعدة معرفية واسعة تمكّنه من الانتقال إلى قطاعات أخرى، ويصبح مستقبله المهني معلّقاً بخيط واحد: استمرار حاجة الشركة إليه. الخطر الثالث يضرب منظومة التعليم الحكومي والوطني في الصميم، فهذه المبادرات تستقطب النخب الموهوبة من الطلاب الذين ينجذبون إلى الوعود المالية السريعة، فيتجهون نحو المسارات التجارية على حساب المسارات الأكاديمية الوطنية، والنتيجة هي تفريغ المدارس والجامعات من أفضل طلابها، وتوسيع الفجوة الطبقية والمعرفية، وفقدان الدولة القدرة على صياغة هوية مواطنيها وتوجيه أولوياتهم الوطنية، فيصبح الولاء الأول والأخير لخوارزميات الشركة وسياساتها التجارية، لا لقيم المجتمع ولا لمصالح الوطن.
عند تحليل هذا الموقف الذي تصنعه منصات العرض في المؤتمرات الدولية لتقنيات التعليم يقع كثير من المحللين في فخ تضخيم الدور التقني على حساب الواقع التربوي والإنساني، وهناك ثلاث مغالطات مفاهيمية رئيسية يجب تصويبها:
أولها وهم «بديل المعلم»، فالتقنية لا تستبدل المعلم، بل تعيد تعريف دوره وتجعل وجوده أكثر مركزية من قبل، ولكن في مستوى أعلى من التعقيد والمسؤولية.
ثانيها إغفال الفجوة الرقمية، إذ يُقدَّم هذا التحول التقني أحياناً كحل سحري للعدالة التعليمية، بينما المدارس في المناطق المهمشة لا تملك أصلاً البنية التحتية الأساسية من أجهزة واتصال، مما يعمّق الفجوة المعرفية بدلاً من أن يردمها.
ثالثها سطحية معيار «سهولة الاستخدام»، فالمعيار الحقيقي لنجاح الأداة ليس مدى سهولتها، بل مدى قدرتها على تحفيز الجهد الذهني المرغوب، ودفع الطالب للتفكير وبذل مجهود حقيقي لينمو عقلياً، لا أن تجعل التعلم سهلاً إلى درجة التسطيح.
ولحماية السيادة التعليمية، وفي الوقت نفسه تحقيق أقصى استفادة من هذا الصراع التقني المحموم، فإن التفكير في هذه الاشكالية تتطلب بناء أطر حوكمة سيادية صارمة تفرض شروطاً واضحة تمنع الشركات من استخدام بيانات الطلاب وسلوكياتهم لتطوير نماذجها الخاصة دون ضوابط، مع ضمان تشفير هذه البيانات بالكامل، وحصر استخدامها في نطاق تربوي مشروع يخضع لرقابة وطنية.
كما ينبغي اعتماد منهجية تجعل الذكاء الاصطناعي «محركاً للتفكير» لا «إجابة نهائية»، وهنا يتطلب صياغة مقررات دراسية وطرق تقييم جديدة تركز على مهارات الهندسة الحوارية مع النماذج الذكية، ونقد المخرجات، والتحقق من المعلومات، بدلاً من الاكتفاء بتقييم النتيجة المقالية التقليدية، المتعلم في هذا النموذج لا يُكافأ لأنه حصل على إجابة صحيحة فقط، بل لأنه عرف كيف يسأل، وكيف يشكك، وكيف يراجع، وكيف يبني موقفاً معرفياً مستقلاً. إلى جانب ذلك، يصبح من الضروري التحرر من التبعية التقنية لشركة واحدة فقط، في الميدان التعليمي لابد من مشاركة عدة شركات وكل شركة لها عمل و مهمة محددة مع تصميم بيئات تعليمية مرنة تسمح بالتنقل بين النماذج المختلفة بناءً على الاحتياج التربوي، لا بناءً على مصالح تجارية ضيقة، كما يجب التمسك بالمسارات الأكاديمية الرسمية التي تضمن تعليماً شاملاً ومتوازناً يحمي الطالب والمجتمع من الاستغلال التجاري المبكر، ويمنحهم قاعدة معرفية واسعة تتيح لهم إعادة تشكيل مساراتهم المهنية لاحقاً، بعيداً عن هيمنة شركة بعينها.
ومهما يكن من امر فأن التنافس الدائر اليوم بين عمالقة التقنية داخل الصفوف الدراسية -والذي تكشف المؤتمرات السنوية عن ضخامة الميزانيات الموجهة إليه- ليس سباقاً على من يقدم تطبيقاً أسرع أو أداة أسهل، بل هو صراع علني شرس على صياغة الوعي الإنساني وتحديد ملامح جيل الغد.
الخطورة هنا ليست لحظية ولا عابرة تنتهي بانتهاء الحصة الدراسية، بل هي مأزق وجودي يتبلور بسرعة في المستقبل القريب جداً. عندما يتلقى الشاب قيمته وتاريخه ومهاراته من خوارزميات صُممت بعيداً عن وطنه، وعندما يرتبط مستقبله المهني وولاؤه الاقتصادي بشركة تقنية عابرة للقارات تختصر له سنوات تكوينه الإنساني مقابل وظيفة سريعة، فإن السؤال المصيري يفرض نفسه بقوة: أين ستكون الهوية الوطنية حينها؟ كيف ستتمكن المجتمعات من الحفاظ على خصوصيتها الثقافية، وقيمها الأصيلة، وولائها الوطني، إذا كان عقل شبابها قد تم تشكيله وبرمجته داخل مصانع برمجيات أجنبية لا ترى في الطالب سوى مستهلك مستقبلي أو ترس في آلتها الاقتصادية؟
إن حماية التعليم اليوم ليست قضية قطاع مهني محدود، بل هي دفاع عن سيادة الوطن وثقافته، وحفظٌ لهويته الوطنية في الغد القريب. التعليم لم يعد مجرد نظام لنقل المعرفة، بل أصبح خط الدفاع الأول عن الإنسان ذاته: عن وعيه، وكرامته، وحقه في أن يكون أكثر من مجرد «مستخدم» في منظومة اقتصادية لا تدرك معنى الهوية الوطنية والمواطن الصالح.