ناصر بن فريوان الشراري
يُسجل التاريخ أن منطقة الشرق الأوسط لم تشهد استقراراً حقيقياً طوال العقود الأربعة الماضية، والسبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى الأيديولوجية التوسعية للنظام الإيراني، الذي اتخذ من تصدير الثورة، وبناء الأذرع الميليشياوية، وتطوير الترسانات الصاروخية والنووية، إستراتيجية ثابتة للهيمنة، إلا أن الالتواءات الأخيرة في المشهد الإقليمي، والضربات القاصمة التي تلقتها هذه الإستراتيجية مؤخراً، تضعنا اليوم أمام مشهد جديد يُبشّر بـ«باي باي نووي إيران»، ويفكك معادلات النفوذ القديمة لصالح واقع تقوده عقلانية دول الخليج العربي.
إن أكثر الرابحين من هذا التحول الدراماتيكي والاتفاق المبرم هي دول الخليج العربي، الجارة اللصيقة لإيران، فهذا الاتفاق يحمل في طياته مؤشرات على نهاية المشروع النووي الإيراني، والبدء في تفكيك تدريجي ومجدول لترسانة الصواريخ والمسيَّرات، وصولاً إلى قصقصة أجنحة الأذرع الإيرانية التي عاثت فساداً في الخاصرة العربية، هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج حراك دبلوماسي ضاغط، قادته المملكة العربية السعودية ودول شقيقة وصديقة، صمدت طويلاً أمام صلف الحرس الثوري وتجاوزاته، خاصة في المراحل الأخيرة التي بدا فيها النظام الإيراني كـ «الوحش الذي قُطع رأسه» فبات يضرب يمنةً ويسرةً دون وعي، في رقصة أخيرة تسبق الانكفاء التام.
وفي مقابل الأساطير التي يروجها الإعلام الإيراني، وبعض وكالاته مثل «وكالة مهر»، حول اشتراط دفع دول الخليج لتعويضات فلكية تصل إلى (300) مليار دولار، جاءت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي «جي دي فانس» لتضع الأمور في نصابها الواقعي، واصفةً هذه الأنباء بغير الدقيقة، ومؤكدةً أن الأمر لا يتعدى كونه رغبة أمنية غربية، في حين أن دول الخليج اليوم باتت تدير ملفاتها السياسية والاقتصادية بعقلية سيادية صارمة، ترفض تقديم «شيكات على بياض» أو منح طهران أي تمويل مباشر، بل إن أي تدفق مالي خليجي مستقبلي لن يكون سوى على شكل استثمارات اقتصادية مشروطة بمدى التزام طهران بحسن الجوار وكف يدها عن العبث بأمن المنطقة، تحولاً من منطق «الترضية» إلى منطق «المصالح المشتركة والاستثمار مقابل الاستقرار».
لا يمكن قراءة هذا الاتفاق بمعزل عن الحسابات العميقة لطرفيه الرئيسيين واشنطن وطهران، وهي مقايضة واضحة بين «النفوذ والبقاء»، فالإدارة الأمريكية الحالية المحكومة برؤية «فانس» والبيت الأبيض، تتحرك من مبدأ الواقعية البراغماتية، وتريد إغلاق هذا الملف المكلف للالتفات إلى صراعاتها الدولية الكبرى، في المقابل دخلت طهران هذه المفاوضات وهي تعيش مخاضاً داخلياً وعسكرياً هو الأخطر في تاريخها، مدركةً أن استمرار العناد يعني السقوط الحتمي من الداخل، لتأتي هذه التنازلات كـ «جرعة دواء مريرة» هدفها الأول حماية بقاء النظام، واستغلال المليارات المفرج عنها من قِبل الولايات المتحدة لترتيب البيت الإيراني المتهالك وإعادة بناء الثقة المفقودة مع الشعب الذي أنهكته المغامرات الخارجية، هذا الانشغال الإيراني بالداخل سيمهد الطريق حتماً لتحرير دول عربية كالعراق من الوصاية والهيمنة، ليتفرغ الساسة العراقيون الجدد لبناء وطنهم واستعادة سيادتهم بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
ومع كل هذا التفاؤل المشروع، يبقى التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه على عقلاء السياسة: هل نحن أمام تحول استراتيجي حقيقي، أم أن هذا الاتفاق مجرد «هدنة كأس العالم»؟ تنتهي بانتهاء المونديال ليعود أحد الطرفين أو كلاهما للتنصل من عهوده؟
إن التاريخ السياسي مع طهران يعلمنا الحذر، فالأنظمة الأيديولوجية بارعة في الانحناء أمام العواصف وشراء الوقت عندما يشتد الخناق الاقتصادي لذلك، فإن العبرة لن تكون بما حبرته الأقلام على الورق بل بمدى الالتزام الصارم والرقابة الدولية والخليجية اللصيقة.
لقد أثبتت دول الخليج أنها قادرة على قيادة المنطقة نحو بر الأمان وفق رؤيتها الإستراتيجية الخاصة، لكن العيون يجب أن تظل مفتوحة، واليد قابضة على زناد اليقظة، حتى لا تتحول آمال السلام الإقليمي إلى مجرد استراحة محارب يعقبها طوفان جديد.