د. رانيا القرعاوي
في كل أربع سنوات، يتوقف العالم تقريبًا لمتابعة الحدث الرياضي الأكبر على وجه الأرض. فبحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، تابع أكثر من خمسة مليارات شخص منافسات كأس العالم 2022، فيما شاهد المباراة النهائية وحدها نحو 1.5 مليار شخص. هذه الأرقام تكشف أن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة رياضية، بل ظاهرة إعلامية وثقافية واجتماعية تجمع الشعوب حول قصة واحدة ولغة واحدة هي كرة القدم.
لكن السؤال الذي يطرح اليوم في كافة البيوت في السعودية: هل الوصول إلى كأس العالم متاح للجميع فعلًا؟
فعلى الرغم من الشعبية الجارفة للبطولة، فإن احتكار حقوق البث جعل متابعة المباريات مرتبطة بجهة واحدة تملك الحق الحصري للنقل، يجد كثير من المشاهدين أنفسهم أمام خيارات محدودة للوصول إلى المباريات، ما يدفع البعض إلى البحث عن وسائل بديلة وغير نظامية للمشاهدة. ومن منظور إعلامي، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال نظرية «الاستخدامات والإشباعات»، التي تفترض أن الجمهور ليس متلقيًا سلبيًا، بل يبحث عن الوسيلة القادرة على إشباع حاجاته. وعندما تكون الحاجة هي مشاهدة كأس العالم، بينما تكون الخيارات القانونية محدودة أو معقدة أو مرتفعة التكلفة أو غير متاحة بالشكل الذي يتوقعه الجمهور، فإن المشاهد سيتجه بطبيعة الحال إلى البدائل المتوفرة، مهما كانت جودتها أو مشروعيتها.
ولهذا السبب، أثبتت التجارب العالمية أن مواجهة القرصنة لا تبدأ فقط بالمنع والحجب، بل بتوفير بدائل قانونية سهلة الوصول. فالجمهور لا يبحث عن خرق الأنظمة بقدر ما يبحث عن مشاهدة الحدث الذي ينتظره منذ أربع سنوات.
وفي المقابل، تؤكد نظرية المسؤولية الاجتماعية للإعلام أن المؤسسات الإعلامية لا تؤدي دورًا تجاريًا فقط، بل تتحمل أيضًا مسؤولية تجاه المجتمع. فالأحداث الكبرى التي تحظى باهتمام ملايين المواطنين والمقيمين لا يمكن النظر إليها بوصفها سلعة تجارية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من المجال العام الذي يسهم في بناء الحوار المجتمعي وتعزيز الشعور بالمشاركة والانتماء.
ولذلك تتبنى العديد من الدول مفهوم «الأحداث ذات الأهمية العامة»، حيث تفرض تشريعاتها إتاحة بعض البطولات والمناسبات الوطنية والرياضية الكبرى للجمهور عبر قنوات مفتوحة أو من خلال ترتيبات تضمن وصولها إلى أوسع شريحة ممكنة من المشاهدين. والهدف هنا ليس إلغاء الحقوق التجارية أو الانتقاص من قيمتها، بل تحقيق توازن بين حق المستثمر في حماية استثماره وحق المجتمع في الوصول إلى حدث يشكل جزءًا من ذاكرته الجماعية.
ومع استعداد المملكة لاستضافة كأس العالم 2034، تبدو هذه القضية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالسعودية لا تستعد فقط لتنظيم بطولة عالمية، بل لاستضافة تجربة إنسانية وإعلامية يشاهدها مليارات البشر. وإذا كانت الملاعب والبنية التحتية والنقل عناصر أساسية في نجاح البطولة، فإن تجربة المشاهدة لا تقل أهمية عنها.
وقد تكون المملكة أمام فرصة لتقديم نموذج جديد في البث الرياضي يوازن بين الحقوق التجارية والبعد المجتمعي، سواء من خلال توسيع نطاق الوصول الرقمي، أو توفير مباريات مختارة عبر قنوات مفتوحة، أو تطوير منصات وطنية للبث، أو تعزيز مناطق المشاهدة الجماهيرية التي تتيح للجمهور المشاركة في أجواء البطولة.
وفي النهاية، على القائمين على ملف الاستعداد لكأس العالم أن يسألوا أنفسهم هل يكفي أن تبني الملاعب وتستقبل الجماهير لنجاح التجربة، ذلك هو التحدي الإعلامي الذي يستحق أن نبدأ التفكير فيه من اليوم، لا في عام 2034.