د.عبدالله بن موسى الطاير
روى لي، ولبعض الحضور، مترجم بريطاني حضر لقاء جمع الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، برئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، أن الطرفين كانا يستعرضان بنود البيان الختامي للزيارة، وسألت تاتشر الملك: هل هذا مناسب؟ فجاء رده بكلمة سعودية دارجة ومطاطة، وهي «يعني». كانت الكلمة كافية لتمرير النص، فلا هي موافقة صريحة، ولا رفض واضح، ولا تعليق نهائي. لكنها ليست اعتراضاً على النص. هنا وقع المترجم في ورطة، إذ كيف يترجم مفردة «يعني» إلى الإنجليزية؟ كيف ينقل كلمة وظيفتها الأساسية أنها لا تحسم شيئاً، لكنها تسمح للجميع بأن يمضوا؟
استذكر هذه القصة وأنا أقرأ وأستمع إلى كل ذلك التراث الممتد من النصوص الدبلوماسية التي تكتب لا لكي تحسم، بل لكي تحتمل أكثر من تفسير، ويسمي الممارسون الدبلوماسيون ذلك باسم أنيق هو «الغموض البنّاء»، وهو التأجيل المحترف للخلاف.
منذ كنت صغيراً، وأنا أسمع قرار مجلس الأمن 242 يتردد في نشرات الأخبار، كان الرقم نفسه يبدو وكأنه جزء من قاموس السياسة العربية، ولحق به قرارات أخرى مثل 1701 حول لبنان، و2216 حول اليمن، وجميعها صيغت لكي تفتح باب التوافق، لكنها حملت في داخلها مشكلات التفسير، فكل طرف يقرأها بطريقته، وكل طرف يخرج منها بما يناسب روايته ومصلحته.
قرار 242، الصادر بعد حرب 1967م، هو المثال الأشهر، فجوهر الخلاف لم يكن في فقرة طويلة، بل في صياغة قصيرة عن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتُلت في النزاع الأخير. في النص الإنجليزي بدت العبارة وكأنها تتحدث عن الانسحاب من «أراض محتلة»، وليس بالضرورة من «جميع الأراضي المحتلة». أما القراءة العربية والفرنسية فكانت أقرب إلى معنى الانسحاب من «الأراضي المحتلة» كلها. اختارت إسرائيل القراءة التي تخدم مصالحها، وهي انسحاب غير كامل، وحدود آمنة ومعترف بها، وتفاوض على ما يبقى وما يخرج من النص، وأهملت القراءة الأخرى التي رأت في القرار إلزاماً بالانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في تلك الحرب. هكذا يمكن لحضور أداة تعريف أو غيابها أن تطيل نزاعاً لعقود طويلة؛ جملة كتبت لترضي الأطراف لحظة التوقيع، ثم تغضب الجميع وقت التطبيق.
والأمر لا يخص 242 وحده، فقرار 1701 في لبنان جاء ليوقف حرباً، لكنه ترك أسئلة معلقة حول السلاح، والحدود، ومسؤولية الدولة، ودور القوات الدولية، وكذلك قرار مجلس الأمن 2216 في اليمن جاء بصيغة حاسمة في ظاهرها، لكنه صار لاحقاً جزءاً من معركة التأويل وحق تفسير النص. في هذه الحالات، وغيرها، لم تكن الصياغة مجرد تفصيل أو تفضيل لغوي بسيط، بل كانت هي الاتفاق نفسه. وحين يكون الاتفاق هشاً، تصبح اللغة بديلاً عن الحسم، حيث يوقّع الأطراف على الكلمات، لكنهم لا يوقّعون على المعنى.
لا أريد أن أتوسع في تفاصيل الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير، فقد تناوله كثيرون بالشرح والتحليل والتأويل، وما يهمني هنا ليس عدد البنود ولا ترتيبها، بل الفكرة الأعمق وهي أنه حين يتوصل الخصوم إلى نص يسمح لكل طرف بأن يعلن الانتصار، فعلينا أن نقرأه بحذر. فالاتفاق الذي لا يحدد بدقة ماذا يعني وقف النار، ومتى تُرفع العقوبات، ومن يضمن التنفيذ، وما الذي يحدث عند الخلاف، هو اتفاق يشتري وقتاً أكثر مما يصنع سلاماً. ولا يعني ذلك أن الغموض الذي اكتنف المذكرة بلا فائدة، فأحياناً يكون الغموض ضرورياً لوقف نزيف عاجل، وقد تحتاج الحروب إلى عبارة مطاطة كي تتوقف، كما تحتاج السياسة إلى كلمة من نوع «يعني» كي تمرّ العاصفة بسلام. الخطر الناجم عن هكذا غموض يتمثَّل في أن نخلط بين وقف الاشتباك وحلّ النزاع، وبين التوقيع على الورق والاتفاق على المعنى المكتوب. الغموض البنّاء يمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يلغي الخلاف الأساسي، بل يؤجل الانفجار، أو ينقله من الميدان إلى النص، فتصبح المعركة بعد ذلك معركة تفسير وهي معركة ألطف بكثير من تلك التي تسيل فيها الدماء وتتوقف المصالح.
في الدبلوماسية، كما في حياتنا اليومية، هناك كلمات تُقال لكي تحسم، وكلمات تُقال لكي تترك الباب موارباً، وكلمة الملك فهد -رحمه الله- «يعني» واحدة من تلك الكلمات، وهي وإن ناسبت إنقاذ بيان ختامي، فإنها لا تصلح لبناء سلام دائم، ولم يكن -رحمه الله- ليستخدمها عندما يتطلب الموقف غيرها.