عمرو أبوالعطا
تمر الأزمان وتتبدل الرؤى وتختفي بعض التفاصيل.. لكن لا شيء يستطيع أن يوقف التساؤل أو يغير دهشة من يرفع عينيه نحو السماء، تلك الأجسام الطائرة المجهولة تبقى، وإن تباعدت أزمان المشاهدات أو تبدلت قصص الشهود، تطوف وتحوم وتختفي وتعاود الظهور في سماء العالم، ظاهرة تفرض وجودها فوق الصحراء والبحار، في الصحارى الأمريكية، وبين النجوم البعيدة.. تحمل معها أسرارًا لا تنتهي.
بداية الأطباق الطائرة
كينيث أرنولد شاهد، وشاهد فريد من نوعه. كان في سماء ولاية واشنطن في صباح يوم 24 يونيو 1947، فوق جبالها، حيث وقع ما لم يكن متوقعًا؛ تسعة أجسام لامعة، تتحرك بسرعة فائقة، تلمع وتتمايل، كالأطباق التي تقفز على سطح الماء. سرعة لم يعرفها أحد من قبل، وسرعة لم تسبقها طائرة -كما قال-.
الجهات العسكرية فتحت تحقيقًا، وجاء التفسير» سراب بصري، ظواهر طبيعية «، التفسير الرسمي يواجه الحقيقة، لكنه يبقى تفسيرًا.
كانت نقطة البداية. بداية ظاهرة الأطباق الطائرة، التي فتحت أمام العالم أفقًا واسعًا من الأسئلة، وأسرارًا لا تزال تحيرنا حتى اليوم.
الحطام الغامض والجدل المستمر
السابقة رواية، والتالية يقين، وبينهما كان الحطام شاهدًا، وكان المزارع ناقلاً، وكانت روزويل بابًا لم يُغلق. في يوليو 1947، قال المزارع «ماك برازيل» إنه عثر على حطام غريب في مزرعته «رقائق لامعة، عيدان خفيفة، وأشرطة لا تُشبه ما عرفه البشر». صدر بيان رسمي: «عثرنا على طبق طائر»، ثم جاء التراجع: «بالون طقس»، لكن المقدم «جيسي مارسيل»، ضابط الاستخبارات بقاعدة روزويل، قالها بعد ثلاثين عامًا: «ما رأيته لم يكن من الأرض». ومنذ ذلك، لم تهدأ الروايات، قيل إن أجسامًا غريبة وُجدت، وإن الموقع طُوّق، وإن التعتيم كان مقصودًا. وقيل إن الحقيقة دُفنت، لكن السؤال ظل حيًا.
فوق البيت الأبيض
في صيف عام 1952، كانت أضواء غامضة تملأ سماء العاصمة واشنطن، وتراقص فوق البيت الأبيض والكونغرس. هذه الأجسام، التي لم تشبه طائرة ولا منطادًا، ظهرت على شاشات الرادار وشهدها العديد من الطيارين. تحركت القوات الجوية الأمريكية وأرسلت مقاتلات لاعتراضها، لكن الأجسام اختفت بمجرد اقتراب الطائرات.
القوات الجوية الأمريكية، عقدت مؤتمرًا صحفيًا لتفسير الظاهرة، أكد الجنرال جون سامفورد أن الأمر لا يعدو كونه «انعكاسًا حراريًا» أو «تشويشًا على الرادار». لكن المحقق جوزيف ألين هاينيك، مستشار مشروع «الكتاب الأزرق»، انتقد هذه التبريرات، مشيرًا إلى أن الرصد تم من قبل رادارات متعددة وشهود عيان في آن واحد، مما يستبعد فكرة الخطأ التقني.
في المقابل، ربط باحثون مثل عالم النفس كارل يونغ هذه الظواهر بتوترات الحرب الباردة، حيث رأى فيها انعكاسًا للحالة النفسية الجماعية التي كانت سائدة في تلك الفترة.
اللغز في القاعدة العسكرية البريطانية
ربما كانت أضواء وودبريدج مجرد ظاهرة عابرة، أو تجلّ غامض بين أشجار القاعدة في ديسمبر 1980، ألوان متغيرة تتحرك بحكمة، حتى وصفها الرقيب جيمس بينيستون بأنها « رموز محفورة ومنقوشة على سطح الجسم «، وتبدو «مثل نقش ماسي على الزجاج». رغم التحقيقات الرسمية التي رفضت الاعتراف بما هو غير مألوف، واعتبرتها أضواء منارة أو نيازك، ظل الغموض يحوم حول الحادثة.. « في تقاطع الحقيقة والخيال « كما قال الباحث ديفيد كلارك، لكن آخرين ظلوا يؤمنون بوجود كائنات فضائية تحوم في ظلال الغموض. في وودبريدج، لا تنتهي القصة بما تراه العين، بل تبدأ بتساؤلات الروح، لتبقى علامة استفهام بين ضوء الحقيقة وظلال المجهول.
كائنات غريبة في روسيا
ما إن يذكر صيف 1989 في فورونيج جنوب روسيا، حتى يشتعل الجدل حول ظهور جسم ضخم مضيء ونزول كائنات طويلة القامة، ذات أذرع تبدو كآلات، ووجوه غير بشرية، أثارت ذعر السكان ودهشتهم، خاصة بعد شهادات الأطفال الذين رأوا بعينيهم ما لا يُصدّق. ورغم فتح السلطات السوفيتية تحقيقًا، لم يصدر تقرير رسمي، فظل الغموض سيد الموقف.. وطوال فترة الجدل، شغل الرأي العام محليًا وعالميًا بتفسيرات متعددة، بين من اعتبر الحادثة انعكاسًا لحالة نفسية واجتماعية متوترة في ظل أجواء الحرب الباردة، وبين من أصر على أن فورونيج تمثل واحدة من أهم الحوادث التي تؤكد وجود حياة خارج كوكب الأرض. فما بين الحقيقة والخيال، ظلت السماء تخفي سرها.
المثلث الأسود الصامت.. «المثلث الأسود»
جسمٌ هائل في سماء بلجيكا، غامض كأنه من عالم غير عالمنا، صامت لا يصدر صوتًا، لكنه يملأ الفضاء بحضوره، يلوح بثلاثة أضواء صفراء في زواياه، وقلبٌ أحمر ينبض بلا توقف. ذلك المثلث، الذي بدأ ظهوره في نوفمبر 1989، واستمر حتى عام 1990، انخفض فجأة من اثني عشر ألف قدم إلى ستمائة في ثوانٍ معدودة، لا يعبأ بقوانين الطبيعة ولا بمن ينظر إليه.
هذه الظاهرة، التي وثقتها العيون والرادارات، أعادت تعريف الممكن والمجهول، وأكدت وجود ما يتجاوز إدراكنا، شيئًا يستعصي على التفسير.
سماء أريزونا
تلك الليلة في مارس 1997، حيث شقّ ضوء على شكل حرف «V» سماء أريزونا، لم يكن مجرد مشهد عابر، وإنما شهادة حيّة على لغز آخر أشرق في السماء. شاهدها أكثر من عشرة آلاف، من بينهم حاكمة الولاية، التي لم تستطع أن تنكر رؤيتها رغم محاولات التقليل من الحدث.
كانت الأضواء تتحرك ببطء، صامتة، متماسكة كأنها كيان واحد، وفي وقت لاحق تحولت إلى سلسلة من الأضواء الثابتة التي اختفت تدريجياً، كأنها حكاية تكتبها السماء لنا، لكن بلا كلمات.
قالت القوات الجوية إنها مشاعل تدريب، غير أن الشهادات كانت أقوى، وغياب الأجسام عن الرادارات كان سؤالاً بلا جواب. وهكذا، بقيت أضواء فينيكس، علامة على المجهول، وضميرًا يوقظ فضول البشرية في صمت الليل.
هجمات من أعلى
من عمق الأمازون إلى امتداد الأطلنطي، تمتد البرازيل أرضًا تفيض بأسرار لا تشبه المألوف، ولا تدخل في قاموس الطيران المعروف.، في عام 1977، كانت جزيرة كولاريس النائية على موعد مع رعب جديد. أضواء في السماء تنبعث منها أشعة تحرق الأجساد وتسبب شللًا، تترك ثقوبًا غريبة في الجلد، فُسميت بـ»هجمات مصاصي الدماء». وصف السكان هذه الأجسام بأنها بيضاوية أو على شكل صحون، تلاحقهم ليلاً وتطلق ضوءًا حارقًا، والخوف يطغى على الحكايات. الدولة أرسلت سلاح الجو بفريق للتحقيق في «عملية الصحن». الكابتن أودير أولاندا سجل شهادته: «ما رأيناه لا يمكن تفسيره»، والتقط صورًا ووثق ما استطاع، أغلقت العملية فجأة، وصنفت ملفاتها كأسرار عليا، لم يُكشف عنها إلا بعد عقدين حين تسربت وثائق أضافت غموضًا أكبر.في مايو 1986، ليلة لم تنم فيها أربع ولايات برازيلية. رصدت الرادارات إشارات غريبة، وأقلعت طائرات لاعتراض أجسام لا تُرى إلا حين تريد، تظهر وتختفي، تناور وتراوغ، تتحدى قوانين الفيزياء والسرعة والانطفاء. أبلغ الطيارون أن تلك الأجسام «ذكية»، تتجنبهم وتسبقهم، مشهد أقرب إلى الخيال منه إلى القتال الجوي. وزير سلاح الجو خرج إلى العلن وأعلن في مؤتمر صحفي: «رصدنا 21 جسمًا، لم تكن طائرات مدنية أو عسكرية». لم يتحدث عن إيمان أو شك، بل عن رصد حقيقي وبيانات تقنية لا يسهل إنكارها.تحوّلت بلدة فارجينيا البرازيلية، فى لحظة خاطفة من يناير 1996، إلى لغز مفتوح على كل التفسيرات. لم يكن فى البلدة ما يوحى بغير السكينة، حتى اخترق صمتها جسم غريب، سقط أو هبط، لا أحد يجزم. لكن ما تلاه كان أغرب، حين رأى السكان كائنًا لا يشبههم، يتجوّل بين الأزقة، يرمقهم بعينين حمراوين، ويختبئ كما لو كان يعرف أنه ليس من هذا العالم.
الجيش حضر، وفرض سياجًا من الإنكار، ومات أحد رجال الإنقاذ بعد اقترابه من الكائن، وبدأت الصحافة تتحدث عن صمت رسمى، وعن سيارات سوداء، وعن تدخل أمريكى خلف الستار. ومع غياب الدليل، بقيت الشهادات، وبقى الرعب، وبقيت فارجينيا... روزويل التى نطقت بالبرتغالية.وهكذا، تبقي السماء البرازيلية شاهدة على ما لم يُشرح بعد، حيث ترفرف حوادث تحرج العلم وتستفز المنطق، لتبقى البرازيل ـ في غاباتها وسماواتها ـ بلدًا لا يتوقف عن الإدهاش.
تيك تاك غامض
في نوفمبر 2004، وبين مياه سان دييغو، حدثت واقعة غريبة، لم يشهد مثلها كثيرون. رصدت البحرية الأمريكية أجسامًا على رادار حاملة الطائرات يو إس إس نيميتز، أجسامًا تتحرك بسرعة ومناورات غير مألوفة.
أرسل الطيار ديفيد فرافور وزميلته للتحقيق، فشاهدوا جسمًا أبيض أملسًا، يشبه حبة «تيك تاك»، يحوم فوق المحيط. وعندما اقتربوا، اختفى فجأة في لحظة لم تتسع لها قوانين الفيزياء.
في 2020، نشر البنتاغون الفيديو الرسمي للحادثة، معلنًا عن «ظواهر جوية غير محددة»، لتبدأ التحقيقات الرسمية، ويشتد الجدل حول حقيقة الأجسام الطائرة المجهولة.
ثقب في السماء
في السابع من نوفمبر 2006، ظهر جسم معدني رمادي غامق يشبه الطبق الطائر فوق بوابة C17 في مطار أوهير الدولي بشيكاغو، ثابتًا وصامتًا، يتلألأ بأضواء متناوبة. شاهده أكثر من اثني عشر موظفًا بينهم طيارون، واستمر المشهد نحو خمس دقائق قبل أن يرتفع الجسم بسرعة فائقة ويخترق السحب تاركًا خلفه ثقبًا دائريًا في السماء.
رغم تأكيد الشهود، لم يظهر الجسم على رادارات المطار أو إدارة الطيران الفيدرالية، التي فسرت الحادثة كظاهرة جوية أو انعكاس ضوئي، بينما أصر الشهود على واقعية ما رأوه.
نشرت «شيكاغو تريبيون» تقريرًا عن الحادثة في يناير 2007، لتبقى الحادثة واحدة من أشهر الألغاز الجوية في مطلع القرن، حيث تتقاطع الحقيقة مع الغموض.
البحث عن المجهول
لم تكن الظواهر الجوية المجهولة مجرد قصص وحكايات، بل حكاية بدأت تتكشف حقائقها مع إعلان وزارة الدفاع الأمريكية في 2020 عن تشكيل فرقة عمل لمتابعة هذه الظواهر، لتجمع جهود القوات المسلحة في جمع الأدلة وتحليلها بجدية.
لم يكن الأمر مجرّد اعتراف عابر، بل بداية لمسيرة تحقيق حقيقية، سجلها تقرير مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في 2021، الذي وثق 144 حادثة غامضة رصدتها القوات المسلحة على مدار سنوات، منها 143 لم يجد لها تفسيرًا قاطعًا، أجسام تتحرك بسرعة ومناورات تتحدى ما نعرفه من قوانين فيزيائية - وفي عام 2025، استمر هذا المسار بزيادة التقارير، حيث سجلت وزارة الدفاع الأمريكية 757 حادثة خلال فترة قصيرة-.
ظل التقرير صريحًا في أنه لا دليل واضح يربط هذه الظواهر بكائنات فضائية، لكنه ترك الباب مفتوحًا لكل الاحتمالات، فكما هي الحقيقة، كذلك التساؤلات.
في 2022، حُلّت فرقة العمل وتأسس مكتب جديد يحمل اسم «مكتب حل الحالات الشاذة في جميع المجالات» ليكون همزة وصل بين الجهات المختصة، وذراعًا جديدًا يبحث في الغامض من كل بيئات السماء والبحر والفضاء.
ولا تزال الأسئلة تُسجل في دفتر التحقيق، والبحث مستمر، بين حقائق تكشفها الأيام وأسرار تبقى محجوبة، تأبى إلا أن تُروى.
العلم في مواجهة الغموض
يبقى موضوع الأجسام الطائرة المجهولة (UAPs)، المعروف سابقًا بالأطباق الطائرة (UFOs)، لغزًا يثير فضول العالم ويشعل جدلًا واسعًا، خاصة بعد اعترافات رسمية من البنتاغون ووكالة ناسا بوجود هذه الظواهر التي تتحدى الفهم التقليدي. إلا أن العلماء، بعيدًا عن تداخل نظريات المؤامرة، يصرون على ضرورة اعتماد منهج علمي دقيق قائم على جمع بيانات موثوقة وعالية الجودة.
في قلب هذا الجهد، يقف الدكتور ديفيد سبيرغل، رئيس فريق دراسة UAP في ناسا، مشددًا على أن الهدف ليس إثبات وجود كائنات فضائية، بل الارتقاء بالبحث إلى مستوى علمي منضبط يعتمد على تدريب متقن وأجهزة استشعار دقيقة. وهو يؤكد أن البيانات المتوفرة اليوم قليلة وغير كافية، لكنها تمثل بداية الطريق نحو فهم أعمق.
وبينما يحاول العلماء فك شفرات هذه الظواهر، يعاني البحث من وصمة الخوف من السخرية التي تمنع كثيرًا من الشهود، خصوصًا الطيارين العسكريين، من الإفصاح عن تجاربهم، وهو ما يدفع مدير ناسا بيل نيلسون إلى الدعوة لرفع هذه الحواجز وتشجيع الشفافية.
في مواجهة الغموض، يظل العقل العلمي متمسكًا بمنهجية نقدية، يفضل التفسيرات الأرضية كالظواهر الطبيعية أو أخطاء الأجهزة، ويرفض القفز إلى استنتاجات غير مدعومة بالأدلة، مسترشدًا بمبدأ كارل ساجان: «الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية».
ومع أن العلم لا ينكر وجود الظواهر غير المفسرة، فإنه يطالب بحذر، مؤكداً أن الحقيقة لا تُبنى على الافتراضات، بل على الأدلة والبحث الموضوعي.
شهادات استثنائية
روبرت هاستينغز، الباحث والصحفي الأمريكي، كان صوت القواعد النووية الأمريكية، موثقًا شهادات ضباط متقاعدين عن ظهور أجسام غريبة تعطل أنظمة تشغيل الصواريخ، مهددة بذلك الأمن القومي واستقرار العالم.
وعلى مدار الفضاء، جاء صوت رائد الفضاء إدغار ميتشل، أحد رواد أبولو 14، ليكشف أن الحكومة الأمريكية على علم بزيارة كائنات فضائية للأرض، مما منح القضية ثقلًا رسميًا لا يمكن تجاهله.
ربما لم تكن الأجسام الطائرة مجرد ظواهر عابرة، وربما لم تكن يومًا سوى انعكاس لهواجس الإنسان أمام المجهول. بين السماء والخيال، ظل السؤال معلقًا، لا ينفى ولا يثبت، يفتح بابًا للحيرة، ويغلق نافذة لليقين. ولعل الحكاية، كل الحكاية، أنها بدأت حين رفع الإنسان عينيه إلى الأعلى.. وظل ينظر.