د. ياسين علي محمد عزي
لعلّ أعظم ما منح الله الإنسان في هذه الحياة أن جعله كائنًا مفطورًا على الانتماء؛ فالإنسان، في جوهر وجوده، لا يستطيع أن يعيش طويلًا بلا شيء يشعره بأن جزءًا من روحه ممتد خارجه، في مكانٍ أو معنى أو إنسان.
ومن هنا لم يكن الوطن يومًا فكرةً مجازية نلوذ بها حين تضيق العبارة، ولا صورةً عاطفية نستدعيها كلما احتجنا إلى معنى عظيم بحجم الوطن. الوطن هو الأصل الأول؛ الأرض التي تمنح الإنسان اسمه، والسماء التي يتنفس تحتها معنى الانتماء، والذاكرة التي تتشكل بين ملامحها أولى صور الوعي. هو المكان الذي لا يشبهه مكان، والحقيقة التي لا تقبل المساومة، والهوية التي لا تكتمل إنسانية المرء إلا بها. ولهذا لا يكون حب الوطن حديثًا يقال، بل عهدًا عميقًا يتجدد في دواخلنا؛ أن نحيا له وبه، وأن نصونه، وأن يظل حاضرًا في كل ما نقدمه له، ما دام في الجسد نبض يسري، وفي الروح أمل متقد، وفي القلب حبٌّ صادق لوطننا وقيادته؛ حبٌّ لا يعيد الزمن تشكيل ملامحه.
غير أن الإنسان، وهو يكبر في هذه الحياة، يكتشف أن للوطن معنى آخر لا ينافس هذا الوطن الكبير، ولا يزاحمه في مكانته، بل يضيء بعض أسراره في الداخل. فكما أن لنا وطنًا نعيش على أرضه، وننتمي إلى تاريخه، ونتنفس صعداءه، ونحمل اسمه في وجداننا حيثما ذهبنا، فإن لنا كذلك أوطانًا صغيرة تتشكل في أعماقنا؛ أوطانًا من السكينة، والرفقة، والطمأنينة، والوجوه التي تجعل الحياة أكثر احتمالًا، وتمنح الإنسان قدرًا من التوازن يجعله أقدر على أن يكون صالحًا في وطنه، نافعًا لأهله، صادقًا مع مسؤوليته.
ليست الأوطان التي في دواخلنا بديلًا عن الوطن الذي نعيش فيه، بل هي امتداد هادئ له. فالإنسان لا ينهض بواجبه على أتم حال وهو غريب عن ذاته، ولا يمنح عمله صفاءه الأجمل إذا صاحب روحه قلق دائم أو كدر عميق. إن الاستقرار الداخلي ليس ترفًا شعوريًا، بل هو أحد منابع الاستقرار الأكبر؛ فالأوطان، بما لها من اتساع وتعقيد وعمق، لا تبنى بالمؤسسات وحدها، ولا بالأنظمة وحدها، بل بالإنسان حين يكون متصالحًا مع نفسه، مطمئنًا في بيته، قادرًا على أن يمنح الحياة العامة أجمل ما في ذاته من صفاء ووعي وعطاء.
ومن هنا تبدو بعض العلاقات الإنسانية أعمق من كونها صحبة عابرة أو حضورًا مألوفًا في تفاصيل العمر. ثمة بشر لا يدخلون حياتنا ليضيفوا إليها لحظات جميلة فحسب، بل ليعيدوا ترتيب علاقتنا بالزمن، وبالقلق، وبأنفسنا. لا يصنعون الضجيج حول أدوارهم، ولا يطالبون بأن تُكتب أسماؤهم في صدر الحكاية، لكنهم يكونون - في حقيقتهم الهادئة - جزءًا من القدرة الخفية التي تجعل الإنسان يواصل الطريق حين يظن أنه لم يعد قادرًا على قيادة ذاته في رحلة الحياة.
وربما كان من أوهام الإنسان الأولى أنه يظن نفسه مشروعًا فرديًا خالصًا؛ ينهض وحده، ويتعثر وحده، وينجو وحده. ثم تمر السنوات، فيكتشف أن أكثر ما حفظ توازنه لم يكن قوته وحدها، بل تلك الأيدي التي لم تظهر في الصورة، والأصوات التي لم ترفع حضورها، والقلوب التي ظلت قريبة منه حين ابتعد عنه كثير من اليقين. عندها يدرك أن الإنسان لا يُصنع من ذاته وحدها، بل من أولئك الذين أحبوه بصمت، وصبروا معه بصمت، وتركوا في داخله وطنًا لا يراه أحد.
وقد لفتني دائمًا ما كان يفعله غازي القصيبي في كتاباته؛ إذ لم يكن يرى المؤسسات بوصفها هياكل صامتة، ولا الحياة بوصفها وقائع جامدة، بل كان يلتفت إلى الإنسان الكامن خلف الفكرة، وإلى الحكاية الصغيرة التي تمنح المعنى الكبير روحه. وربما كانت الحياة تشبه ذلك كثيرًا؛ فما يبدو للناس إنجازًا فرديًا ظاهرًا، يكون في أعماقه قائمًا على أكتاف أناس لم يطلبوا يومًا أن يُذكروا، لكن غيابهم كان كفيلًا بأن يجعل الحكاية كلها أقل اكتمالًا.
وحين يأتي الصيف، وتزدحم الأيام بمواسم الفرح والبدايات الجديدة، يظن كثيرون أن الحكاية تبدأ من قاعة مضيئة، أو من ليلة عامرة، أو من صورة تحفظها الذاكرة. غير أن المعنى الأعمق لا يبدأ من المظهر وحده، بل من السؤال الذي لا يطرحه الناس كما ينبغي: من الإنسان الذي نستطيع أن نعبر معه الحياة لا حين تكون سهلة، بل حين تكشف عن امتحاناتها الصعبة؟
فالبدايات الجميلة كثيرة، أما الأكثر جمالًا فهو البقاء الناضج الذي لا يخفت حين تخفت الأضواء. أن تجد من يشاركك الفرح أمر حسن، لكن الأعمق أن تجد من لا يغادر حين يتراجع الفرح قليلًا، وتكبر المسؤوليات، وتصبح الحياة أقل احتفالًا وأكثر جدية وأشد ابتلاءً. أن تجد من يفهم تعبك قبل أن تشرحه، ومن يقرأ صمتك قبل أن تبرره، ومن لا يراك في لحظة واحدة، بل يراك في امتداد عمرك كله؛ في ضعفك وقوتك، في قلقك وطمأنينتك، في أحلامك التي تحققت، وتلك التي تأخرت، وتلك التي لم تقلها لأحد.
إن الأرواح المستقرة التي تسكن البيوت المطمئنة ليست شأنًا خاصًا معزولًا عن الوطن، بل هي إحدى لبناته الصامتة. فمن تلك البيوت تخرج النفوس الأقدر على العطاء، ومن القلوب الآمنة ينشأ الإنسان الأكثر اتزانًا في عمله، ومجتمعه، ووطنه. ولذلك فإن الأوطان التي في دواخلنا ليست بمنأى عن الوطن الكبير، ولا عزلة عنه، بل هي أحد مرتكزاته العميقة. فكل إنسان يجد في داخله سكنًا صادقًا يصبح أكثر إقبالًا على الحياة، وأقدر على أن يكون فردًا فاعلًا في وطنه الأشم، مؤديًا واجبه على أتم حال.
ولعل الإنسان، بعد سنوات طويلة من عبوره هذه الحياة، يكتشف حقيقة لم يفهمها في بداياته جيدًا: أننا لم نأتِ إلى هذا العالم لكي نعيش بمعزل عن الآخرين، بل جعل الله في طريقنا بعض الأرواح التي لا تبدو للناس أكثر من رفقة عابرة، بينما تكون في حقيقتها جزءًا مكملًا من قدرتنا على الاستمرار.
فالوطن الذي نسكنه هو أصل الهوية ومنبع الانتماء، أما الأوطان التي تسكننا فهي ما يعين الإنسان على أن يكون أصفى روحًا، وأقدر عطاءً، وأصدق وفاءً لذلك الوطن.
وربما لهذا لم يكن ازدهار الأوطان الكبرى يومًا منفصلًا عن سلام الإنسان في عوالمه الصغيرة؛ إذ إن المرء حين يجد في داخله قدرًا من الطمأنينة، يصبح أكثر قدرة على أن يمنح وطنه أجمل ما لديه من فكر، وأصدق ما يملكه من وفاء، وأنبل ما يستطيع تقديمه من عطاء.
فوطننا يستحق أفضل ما لدينا، وأفضل ما لدى الإنسان أن يمنح الحياة عطاءً صادقًا مستمدًا من تلك الأوطان الهادئة في دواخلنا.