د. إبراهيم بن جلال فضلون
«يجب أن نبني نوعاً من الولايات المتحدة الأوروبية»، هكذا قالها ونستون تشرشل، في خطاب زيورخ، سبتمبر 1946، وهو الرجل الذي قاد بريطانيا في أحلك لحظاتها، وهو يُدرك من موقع من اكتوى بنار الحروب أن أوروبا الموحدة هي الوصفة الوحيدة لمنع تكرار المذابح. ومع ذلك، بعد سبعة عقود بالتمام والكمال من تلك الكلمات، وقف خلفاؤه السياسيون في مواجهة القارة ذاتها، رافعين شعار «استعادة السيادة» كأنهم لم يقرأوا التاريخ، أو قرأوه وتجاهلوه عن سابق إصرار، حيثُ مرّت عشر سنوات على استفتاء 23 يونيو 2016، وتصويت بريطانيا بـ«لا» ضد قرن من التكامل الأوروبي، لتقطع بذلك شرياناً من اليد الأوربي، وترفع يدها نازفة للعالم وكأنها حرة طليقة.
أرقام الحافلة الحمراء: إن المتأمل في كواليس هذا المشهد يلحظ مفارقة صارخة، وهي أن الأمة التي علّمت العالم البرلمانية والرأسمالية والقانون الدولي، صوّتت لأجندة تُعيدها إلى عصر الجزيرة المعزولة، وهي مُتسلحةً بأوهام سيادة مطلقة لا وجود لها إلا في الكتب المدرسية المتقادمة. فحين وقف بوريس جونسون عام 2016 أمام الكاميرات وإلى جانبه نايجل فاراج ومايكل غوف، وحافلته الحمراء الشهيرة، كُتب عليها: «نرسل أسبوعياً 350 مليون جنيه إلى بروكسل، لنُعيدها لخدمة هيئة الصحة الوطنية»، مستهزئاً بالشارع والناخب، فالرقم متضخم جداً، فما يُرسَل إلى بروكسل يعود منها على شكل استثمارات واتفاقيات تجارة وتمويل بحثي.
صياغة «مشروع الخوف»: لقد عمد جونسون ورفاقه لأيديولوجيا متكاملة الأركان قوامها صياغة «مشروع الخوف»: الخوف من المهاجر، والخوف من بيروقراطية بروكسل، والخوف من الذوبان في هوية أوروبية تمحو فيها «الروح البريطانية العظيمة»، وهي في جوهرها ترامبية بلهجة أكسفورد، وشعبوية ارتدت بذلة سافيل رو. وما لم يقلونه للناخب هو أن السوق الأوروبية الموحدة كانت تستوعب ما يقارب 45% من صادرات بريطانيا، وأن الخروج منها يعني بناء جدار جمركي غير مرئي بالكامل حول جزيرة تعيش على التجارة، ولم يُصرحون للناس أن التفاوض على اتفاقيات تجارية بديلة يستغرق عقداً من الزمن في أفضل الأحوال. ولم يُنبّهوا إلى أن اسكتلندا وأيرلندا الشمالية صوّتتا لصالح البقاء بنسبة 62% و56% على التوالي، مما يجعل «مشروع السيادة» كفيلاً بتفكيك المملكة المتحدة ذاتها من الداخل، وبعد عقد، يقف ميليباند، وزير الخارجية البريطاني الأسبق، ليثبت بأرقام لا تقبل الجدل إن بريطانيا تدفع ما يزيد على ثلاثين مليار جنيه إسترليني سنوياً كضريبة عقابية للبريكست، فهي ضريبة صامتة تُستقطع من النمو المفقود، والتجارة المعيقة، والاستثمارات التي آثرت فرانكفورت وأمستردام وباريس على لندن بعد أن فقدت المدينة امتياز «البوابة إلى أوروبا»، فكانت أكثر من 30 مليار جنيه سنوياً ليست رأياً سياسياً ولا إيديولوجياً مضاداً؛ إنها شاهد ميزانية يُصدر حكمه الفصل كل عام مالي بلا رحمة.
أزمة علم النفس السياسي: لم يكن التصويت على البريكست قراراً عقلانياً صرفاً، بل كان مخرجاً عاطفياً لأزمة متراكمة، فكانت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 الشرارة التي أشعلت غضباً طبقياً كامناً؛ حين رأى عمال منطقة الصلب في «ساوث ويلز» وصيادو السمك في «بورتسموث» وعمال المصانع في «ميدلاندز» أن الحكومة تُنقذ المصارف الكبرى وتُلقيهم للريح. فجعلوا من ذلك المهاجر البولندي والبيروقراطي البلجيكي كبشَ فداء لأزمة كانت في جوهرها نتاج سياسات داخلية أخفقت في توزيع ثمار العولمة بعدالة.
إنها تكرار فج فهذا النمط ليس بريطانياً خالصاً؛ إنه ذات السيمفونية بألحان مختلفة، نراها في صعود ترامب لكرسي البيت الأبيض، وحزب البديل في ألمانيا، وماري لوبان في فرنسا، وأوربان في المجر، فكُلها أعراض مرض وحبور واحد، فحين يعجز الاقتصاد السياسي عن توفير العدالة التوزيعية، تملأ حبارير الشعبوية الفراغ بخطاب الهوية والعنصرية المُقنّعة، وهنا نرى بوضوح أن الطبقة العاملة التي صوّتت على البريكست إيماناً باسترداد سيادتها، هي ذاتها التي تدفع اليوم أعلى فاتورة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع القوة الشرائية للجنيه الإسترليني.
هوّة جيلين: «نحن» الجماعية و»أنا» المتغوّلة
نقف مشوشين بين جيلين متناقضين في رؤيتهما لأم العجوز أوروبا، فالجيل الذي عاش الحرب العالمية الثانية حمل رؤية واضحة مفادها أن «نحن» الجماعية هي الضمانة الوحيدة ضد حبارير «أنا» المتغوّلة التي قادت إلى (أوشفيتز وهيروشيما)، والتي بُني عليها الاتحاد الأوروبي ليكون تجربة سلام حيَّة، لا مجرد تكتل اقتصادي.. وفي المقابل، جاء جيل المغامرين السياسيين من جونسون وغوف إلى فاراج، ليتعاملوا مع الاتحاد الأوروبي باعتباره مشكلة إدارية، لا مشروعاً حضارياً، فاستسهلوا هدم ما بُني في عقود، واستخفوا بتعقيدات المصالح المتشابكة، وتعاملوا مع السياسة الخارجية باعتبارها لعبة منافسة على العناوين في الإعلام والصحف اليومية، وهي مغامرة دفع ثمنها شعب بأكمله.
دولة معلّقة بين هويتين
تواجه بريطانيا اليوم معضلة بنيوية من نوع خاص، كونها ليست دولة غير أوروبية بما يكفي لتبني نفوذاً مُستقلاً في مُحيط إندو-باسيفيكي، وليست ملتحقة بأوروبا بما يكفي لتستثمر في ثقل القارة التفاوضي، بل إنها دولة معلّقة بين هويتين، تدفع ثمن الانتماء لا إلى أيٍّ منهما بالكامل. فكانت لندن بوابةً تجارية حتمية لمن يريد الدخول إلى السوق الأوروبية؛ وحين تلاشت هذه الصفة، وجدت مؤسسات مالية كبرى أن أمستردام أو دبلن أو فرانكفورت تؤدي الوظيفة ذاتها. أما أيرلندا الشمالية، فبما يعنيه بروتوكول ويندسور من تمييز جمركي بينها وبين بقية المملكة، باتت أقرب عملياً للسوق الأوروبية منها إلى لندن. وهذا اختراق هادئ للمشروع البريكستي من الداخل، دون ضجيج ولا استفتاء. وجرح الأيديولوجيا لا يُعالَج بالخطاب القومي متى تكلّمت الجغرافيا الاقتصادية بلسانها الصريح، والدرس الاستراتيجي الأعمق مما جرى ليس أن بريطانيا أخطأت فحسب، بل أنها أعطت العالم نموذجاً حيَّاً على أن الديمقراطيات الراسخة ليست محصّنة من الشعبوية، وأن الاقتراع الشعبي حين يُصادق على وهم يُنتج واقعاً أصعب بكثير مما تعهّد به الوهم نفسه. ومن يتأمل في جداول التبادل التجاري، وسلاسل الإمداد، وحركة رؤوس الأموال، يرى بوضوح أن العالم المترابط لا يقبل الطلاق القيصري، ولو صادقت عليه أغلبية شعبية في لحظة غضب.
وقفة
«قرار البريكست اتخذه أناس خُدعوا بكذبة، وصوّتوا على شيء لا وجود له». ذلك اعتراف ميشال بارنييه، كبير المفاوضين الأوروبيين، 2022، فها هو المشهد يُعيد رسم ملامحه بصمت بعيداً عن ضجيج حملات 2016، لنرى تلاشي الأيديولوجيات الشعبوية أمام الأرقام الصلبة كما يذوب الثلج أمام الشمس ببطء ودون ضجيج ودون اعتذار.
ليبقى فقط أمامنا أسئلة بالغة البرودة: كم جنيهاً خسرنا؟ وكم سنة نحتاج لاسترداد ما كنا نملكه؟ وهل نملك الجرأة السياسية على الاعتراف بأن الإستراتيجية الصحيحة لا تبدأ دائماً بالانسحاب؟.. تلك هي المحنة الحقيقية لبريطانيا ما بعد البريكست: (ليست في الانفصال، بل في الاعتراف).