د. عبدالمحسن الرحيمي
يستيقظ الإنسان اليوم على إشعار رقمي يحدد له كم نام، وكيف كانت جودة نومه، وما الذي ينبغي أن يفعله خلال يومه، فينظر إلى ساعته لا ليعرف الوقت، بل ليقرأ تفسيرًا جاهزًا لحالته الصحية، ثم يبدأ يومه متكئًا على أرقام تحصي خطواته، وتحسب سعراته، وتتابع نبضه، وتوجه قراراته الغذائية والحركية، فيبدو المشهد في ظاهره مثالًا للدقة والانضباط والتحكم، لكنه في عمقه يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل أصبح الإنسان يفهم صحته بشكل أعمق، أم أنه أصبح يعتمد على قراءتها دون أن يعيشها فعليًا؟
لقد منحتنا التقنيات الصحية قدرة غير مسبوقة على قياس الجسد، حيث أصبح بالإمكان تحويل معظم وظائفه إلى بيانات قابلة للعرض والتحليل، وهو إنجاز لا يمكن التقليل من قيمته، لأنه أسهم في تحسين الوقاية، وتعزيز الوعي، ودعم اتخاذ القرار، غير أن هذا التقدم ذاته حمل معه تحولًا هادئًا في علاقة الإنسان بصحته، إذ انتقل مركز الثقل من الإحساس الداخلي إلى المؤشر الخارجي، ومن التجربة المعيشة إلى القراءة الرقمية، فأصبح الإنسان لا يثق بما يشعر به بقدر ما يثق بما يظهر له على الشاشة، حتى وإن تعارض الأمران.
وفي هذا التحول، تتشكل فجوة دقيقة لكنها عميقة بين القياس والإدراك، فالقياس يقدم أرقامًا دقيقة حول ما يحدث في الجسد، لكنه لا يقدم تفسيرًا لمعنى هذه الأرقام في سياق تجربة الإنسان، بينما الإدراك يمثل القدرة على فهم هذه التجربة وربطها بحالة الإنسان النفسية والجسدية والاجتماعية، ومن هنا فإن الاعتماد الكامل على القياس دون تنمية الإدراك يؤدي إلى صورة ناقصة للصحة، حيث تصبح الصحة مجموعة من المؤشرات الصحيحة ظاهريًا، لكنها غير مكتملة من حيث المعنى.
في إطار المدرسة السعودية للقيادة الواعية، يُعاد تعريف الصحة بوصفها حالة إدراكية قبل أن تكون نمطًا سلوكيًا، حيث لا يكفي أن ينام الإنسان عددًا كافيًا من الساعات أو يلتزم بنظام غذائي متوازن إذا لم يكن قادرًا على فهم ما يحتاجه جسده فعلًا، ولا يكفي أن يحقق أرقامًا جيدة إذا كان منفصلًا عن تجربته الداخلية، لأن السلوك يمكن توجيهه عبر الأنظمة والتقنيات، لكن الإدراك هو الذي يمنحه العمق والاستمرارية، وهو الذي يحول الفعل من استجابة خارجية إلى ممارسة واعية.
ومع تصاعد الاعتماد على التقنيات الصحية، يظهر ما يمكن وصفه باختزال الإدراك الصحي، حيث يتم تحويل الصحة من تجربة إنسانية متعددة الأبعاد إلى مجموعة من القيم الرقمية التي يسهل متابعتها لكنها لا تعكس كامل الحقيقة، ومع مرور الوقت قد لا يفقد الإنسان صحته، بل يفقد علاقته بها، إذ يعتمد على المؤشر بدل الإحساس، ويتبع التوصية بدل الفهم، ويحقق نتائج جيدة دون أن يدرك معناها أو حدودها.
هذا لا يعني أن التقنية تمثل خطرًا في ذاتها، بل إن قيمتها تظل كبيرة حين تُستخدم في إطار متوازن، لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول من أداة مساعدة إلى مرجعية نهائية، بحيث يصبح ما لا يُقاس كأنه غير موجود، وما لا يظهر في البيانات كأنه غير مهم، وهو اختزال لا يليق بطبيعة الصحة بوصفها حالة معيشة تتداخل فيها الجوانب الجسدية والنفسية والسلوكية.
وفي سياق رؤية السعودية 2030، حيث تتجه المنظومة الصحية نحو التوسع في الحلول الرقمية والتكامل التقني، تتعزز أهمية الحفاظ على هذا التوازن، لأن نجاح التحول لا يُقاس فقط بمدى تطور الأنظمة، بل بقدرة الإنسان على أن يبقى فاعلًا واعيًا داخلها، بحيث يستخدم التقنية دون أن يفقد إدراكه، ويستفيد من البيانات دون أن يستبدل بها فهمه العميق لصحته.
إن المفارقة التي تفرض نفسها في هذا السياق هي أن الإنسان قد يصبح أكثر التزامًا بالسلوك الصحي من أي وقت مضى، لكنه في المقابل قد يصبح أقل فهمًا لما تعنيه الصحة فعلًا، فيمارس الأفعال الصحيحة وفق المؤشرات، لكنه لا يمتلك القدرة على تفسيرها أو تعديلها عندما تتغير ظروفه، وهو ما يجعل هذا الالتزام عرضة للتراجع بمجرد غياب النظام الذي يوجهه.
ومن هنا، فإن الإدراك الصحي لا يمثل إضافة تجميلية، بل يمثل الأساس الذي تقوم عليه استدامة الصحة وعمقها، لأنه يعيد للإنسان علاقته بجسده، ويمنحه القدرة على التمييز بين ما يمكن قياسه وما يجب فهمه، ويضع التقنية في موقعها الطبيعي بوصفها أداة داعمة لا بديلًا عن الوعي.
وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي في زمن التقنيات لا يكمن في زيادة دقة القياس أو توسيع نطاق البيانات، بل في الحفاظ على قدرة الإنسان على إدراك ذاته داخل هذا العالم الرقمي، لأن ما يمكن قياسه قد يتحسن بالفعل، لكن ما لا يُدرك هو ما يحدد جودة الحياة في معناها الأعمق، وهو ما يضمن أن تبقى الصحة تجربة تُعاش، لا مجرد رقم يُعرض.