صالح الشادي
كانت حائل في مخيلتي طفلاً يغادرها عام 1973، ولم يزل قلبي يحمل من دفئها ما يكفي لعمر بأكمله، لكنني حين عدتُ إليها في عام 2018، في تلك الزيارة المباركة التي شرُفَت بها بقدوم خادم الحرمين الملك سلمان وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- في زيارتهما المباركة وجدتني أقف على أعتاب دهشةٍ لم أعهدها من قبل. كنتُ ذلك الصبي الذي كانت أمه -رحمها الله- تودعه كل صباح على عتبة الدار وتحتضنه كل ظهيرة وهو عائد من مدرسة الملك عبدالعزيز الابتدائية، التي كانت وحدها تتربع في ذاكرة المكان، وذلك الصغير الذي كان يتأمل ملامح وجه والده الحنون -رحمه الله- الذي كان مسؤولاً عن أمن حائل الآمنة طبيعتها.. واليوم ها أنذا رجلٌ على مشارف عقده السادس، أجلس على منصة الاحتفاء، وقصيدتي التي كتبتها احتفاء بقادتنا ضيوف القلب والروح بتكليف من سمو أميرها المحبوب عبدالعزيز بن سعد بن عبدالعزيز تتردد نغماً على المسامع، وشباب حائل يتماوجون بالعرضة والسامري في احتفالية أشبه بالحلم، وكأن الزمن عاد بي إلى تلك البدايات، لكنه عاد بي إلى غير ما أعرف.
تنقلت بين أحيائها، ومعي مرافق فاضل من أبناء المدينة الكرام، كنت أسأله عن كل زاوية في ذاكرتي، فيأخذني إليها، وأقف أمام بيوتنا القديمة التي لم يبقَ منها سوى الأطلال والوجع الجميل، وأبحث عن معالم طفولتي في وجوه المكان. تذكَّرت الشوارع الترابية التي كنا نحتار في عبورها أيام المطر، وسوقها القديم البسيط الذي كانت تفوح منه رائحة البهارات والصناعات اليدوية التي كنا نشتريها، وتلك البيوت الطينية التي كانت شامخة بالكرم رغم بساطتها، وقصر برزان الذي كان يحرس التاريخ. تذكّرت جبلَيْ أجا وسلمى اللذين كانا يطلان على أحلام صباي، ومواسم الربيع التي كانت تكسو الأرض خضرةً فتسرق قلوبنا، وعقدة التي كانت وجهتنا في العطلات، وكيف كنا نشرب من الثميلة الباردة بعد عناء الدراسة، ونلهث بأبصارنا خلف طائرة الداكوتا في مطارها القديم، نتأمل هبوطها وإقلاعها كأنها معجزة تحلق في سمائنا الصافية.
وفي رحاب حائل تلك، تذكرت وقفتي الأولى مع قصائد الوطن، حين كنتُ طفلاً صغيراً أردد أول نشيد وطني حفظته أمام الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- في زيارته التاريخية في بدايات السبعينيات، كان ذلك النشيد هو البذرة التي نبتت في روحي، وهو القنديل الذي أضاء طريقي نحو الكلمات والنغم، فكيف بي اليوم وقد عادت بي الأيام لأقف في المكان نفسه، لكن بين يدي قيادة جديدة عظيمة حوّلت حائل التي أعرفها إلى مدينةٍ تليق بالحلم.
لقد ذهلت، حقاً ذهلت، حين رأيت التطور المذهل الذي حظيت به هذه البقعة الغالية، تلك الصحراء التي أذكر أنها كانت تلسعنا بقيظها اللافح، صارت جناتٍ تغرد بالنسمات الباردة، وتلك المسافات التي كانت شاسعةً ترهق المطايا، صارت طرقاً ممهدة تختصر الزمن وتوصل الأماني. لم يكن هذا التطور مجرد حجارة نُصبت أو طرقٍ رُصفَت، بل كنتُ أشعر وأنا أتجول بين أرجائها أن الحكومة الرشيدة لم تبنِ عمراناً فحسب، بل بنت حياةً كريمة، وغرسَت في قلب المواطن الشعور بأنه ليس غريباً على وطنه، بل هو محور كل هذا البناء، وهدف كل هذا الجهد. رأيتُ في عيون الأهالي الكرماء تلك النظرة المطمئنة، ذلك الرضا الذي لا يخونه التعبير، وعلمتُ أن رخاء المواطن ليس شعاراً، بل هو دماء تسري في مشاريع هذا الوطن، ونبض يتردد في كل زاوية من زواياه.
وفي مساحة هذا الجمال الذي غمر الروح، وقف الأمير عبدالعزيز بن سعد -حفظه الله- كالقمر المنير، ذلك الرجل الذي أحب حائل فأحبته، وزرع محبته في قلوب أهله بصدقه وإخلاصه، رأيته بعينيَّ في ذلك اليوم، ورأيت حائل في عينيه، وكأنها ليست مجرد منطقة يتولاها، بل هي ابنته المدللة التي يكبرها أمام ناظريه يوماً بعد يوم، تلك المحبة التي لمستها في قلوب الجميع لم تأتِ من فراغ، بل جاءت ثمرة سنوات من العطاء والتواضع والحرص الصادق على رفعة هذا المكان وأبنائه.
بين ذاكرة الطفل الذي كان يتأمل الطائرة في المطار القديم، ووعي الرجل الذي يشهد اليوم هذا المدى الحضاري العظيم، وقفتُ هناك على منصة الزيارة أردد في نفسي: ما أعظم هذا الوطن الذي يعيد تشكيل طفولتنا بأجمل مما كانت، وما أنبل هذه القيادة التي لم تدخر جهداً في سبيل أن يرفل المواطن في بحبوحة العيش، وأن تنعم المناطق كلها، صغيرها وكبيرها، بقطف الثمرات. حائل التي غادرتها صغيراً، عدتُ إليها لأجدها أكبر من كل ذاكرة، وأجمل من كل حلم، وفيها عرفت أن حب الوطن لا يموت، بل يتجدد مع كل صباح يشرق على أرض تصبح كل يوم أجمل، ومع كل روح تعمر في ظل قيادة آثرت على نفسها أن تكون لأبنائها عوناً وسنداً، فكانت المملكة كما نعشقها، وكما يستحق تاريخها العريق أن تكون.