باسم سلامة القليطي
في طفولتنا الأولى، لم يكن الأب مجرد فرد يعيش معنا تحت سقف واحد، بل كان صورة كاملة للأمان والقوة والطمأنينة. كنا نراه الرجل الذي يعرف كل شيء، ويستطيع إصلاح كل شيء، ولا يُهزم أبداً. حين يتعثر الطفل، لا يبحث بعينيه عن تفسير لما حدث، بل يبحث عن أبيه، وكأن وجود الأب وحده كفيل بإعادة ترتيب العالم من جديد.
في تلك السنوات البريئة، يبدو الأب بطلاً لا تشوبه الأخطاء، لأن الطفل لا يرى التعب المختبئ خلف ملامحه، ولا الضغوط التي يحملها داخله، ولا القلق الذي يرافقه كل يوم وهو يحاول أن يبني حياة مستقرة لأسرته. كل ما يعرفه الطفل أن هناك رجلاً إذا حضر حضر الأمان معه.
ولعل أجمل ما يعبّر عن مكانة الأب في حياة الإنسان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنْ شِئتَ فأضِعْ ذلك البابَ أو احفَظْه». فالعلاقة مع الأب ليست مجرد علاقة عائلية عابرة، بل باب عظيم من أبواب البر والرحمة والسكينة، يدرك الإنسان قيمته الحقيقية كلما تقدّم به العمر.
لكن السنوات تمضي، ويبدأ الابن بالنمو شيئاً فشيئاً، ومع اتساع وعيه تبدأ صورته القديمة عن والده بالتغيّر. يراه يغضب أحياناً، ويرفض بعض رغباته، ويضع حدوداً لا يفهمها الابن في ذلك العمر. هنا تبدأ أول مسافة خفية بين الطرفين؛ فالأب يحاول أن يحمي ابنه بخبرته، بينما الابن يريد أن يكتشف الحياة بنفسه.
وحين تأتي النصيحة في سن المراهقة، فإنها غالباً لا تُستقبل بوصفها خوفاً وحباً، بل تُفهم على أنها تضييق أو تحكّم. لذلك تتكرر تلك العبارة الشهيرة في داخل كثير من الأبناء: «أبي لا يفهمني»، بينما الحقيقة أن الأب غالباً يفهم الحياة أكثر مما يتوقع ابنه، لكنه لا يملك دائماً الطريقة المثالية لإيصال ذلك الفهم.
وفي مرحلة معينة، يتحول الأب في نظر ابنه من «البطل» إلى «الرجل الصارم». تقل الأحاديث الطويلة، وتزداد المسافات الصامتة داخل البيت، وتصبح بعض الأبواب مغلقة أكثر من السابق. وهنا يعيش كثير من الآباء واحدة من أكثر مراحل الأبوة ألماً؛ إذ يشعر الأب أن ابنه الذي كان يتعلق به بالأمس بدأ يبتعد عنه اليوم. ومع ذلك يستمر في أداء دوره، يقلق بصمت، ويدعو بصمت، ويتابع أبناءه بصمت. فالأب غالباً لا يجيد التعبير الصريح عن مشاعره، لكنه يُتقن الحب بطريقة مختلفة؛ بطريقة تشبه السقف الذي لا يلتفت إليه أحد طوال الوقت، لكن الجميع يدرك قيمته حين يغيب.
ثم تأتي الحياة لتشرح للأبناء ما عجزت الكلمات عن شرحه. يخوض الإنسان تجاربه بنفسه، ويصطدم بالواقع، ويكتشف أن الحياة ليست سهلة كما كان يظن في سنوات اندفاعه الأولى. يتعرف على الخذلان، وعلى قسوة بعض المواقف، وعلى صعوبة اتخاذ القرارات الصحيحة. وفجأة تبدأ نصائح الأب القديمة بالعودة إلى الذاكرة بشكل مختلف تماماً. الكلمات التي كانت تبدو مزعجة أو مبالغاً فيها تتحول مع الزمن إلى حكم عميقة وتجارب صادقة.
وفي هذا المعنى يقول الفيلسوف الإيطالي أومبرتو إيكو: «أعتقد أن ما نصبح عليه يعتمد على ما يعلمنا إياه آباؤنا في لحظات غريبة، عندما لا يحاولون تعليمنا شيئاً، نحن نتشكل من قصاصات الحكمة الصغيرة تلك». فكثير من أثر الآباء لا يأتي من المحاضرات الطويلة، بل من المواقف العابرة، ومن طريقة تعاملهم مع الناس، ومن صبرهم، ومن ردود أفعالهم اليومية التي تبقى عالقة في داخل أبنائهم دون أن يشعروا.
وعندها فقط يدرك الابن أن والده لم يكن يقف ضده، بل كان يقف بينه وبين كثير من الألم محاولاً حمايته. ويدرك كذلك أن بعض ما ظنه قسوة لم يكن سوى خوف شديد عليه من الحياة حين تكشف وجهها الحقيقي.
ومع تقدّم العمر، تتغير نظرة الإنسان لوالده مرة أخرى، ولكن بشكل أكثر نضجاً وعمقاً. ففي الثلاثين أو الأربعين مثلاً، يبدأ الابن برؤية والده كرجل كامل، لا كأب فقط. يتأمل حجم الضغوط التي كان يتحملها، وكيف كان يخفي تعبه كي لا يربك أسرته، وكيف كان يبتسم رغم القلق والمسؤوليات. يدرك أخيراً أن الأب لم يكن يملك حياة سهلة كما كان يتخيل، بل كان يخوض معاركه الخاصة كل يوم، ثم يعود إلى بيته محاولاً أن يبدو قوياً من أجل من يحبهم. وهنا يفهم الإنسان المعنى الحقيقي للتضحية الصامتة التي يعيشها كثير من الآباء دون أن يتحدثوا عنها.
أما المرحلة الأكثر وجعاً، فهي حين يغيب الأب، أو حين يكبر فجأة أمام أعيننا. حين يصبح صوته ذكرى، وجلسته حنيناً، وصورته شيئاً نعود إليه كلما اشتقنا للأمان القديم. هناك فقط يدرك الإنسان أن بعض النعم لا تُقدّر حقاً إلا بعد أن تصبح بعيدة. نتمنى لو نستطيع الجلوس معه مرة أخرى، أو إعادة حديث قديم، أو حتى الاستماع لنصيحة كنا نهرب منها سابقاً.
فالأب لا يرحل من القلب أبداً، لأنه أول وطن عرفناه، وأول يد أمسكتنا قبل أن نتعلم كيف نمشي في هذه الحياة. وإذا كان الإنسان يقضي عمره كله يبحث عن الطمأنينة، فغالباً ما يكتشف متأخراً أن أول طمأنينة عرفها كانت في ظل أبيه، وأن بعض الرجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون يسكنون أبناءهم ما بقي فيهم قلب ينبض وذكرى لا تموت.