د. رنا بنت عبدالله الغامدي
في الجامعة، نتعامل مع الطلبة، في القاعة، وفي الاختبار، وفي الإرشاد الأكاديمي. نعرف أسماءهم، ونعرف مستواهم من خلال الدرجات والتقارير. لكننا لا نعرف ما الذي يعيشونه فعلًا داخل تجربتهم الجامعية.
ورغم أن طلاب الجامعة شباب وشابات بالغون، ولهم استقلالهم ووعيهم، إلا أنني كثيرًا ما أجد نفسي أراهم بعين الأم. ربما لأن لدي أبناءً في المرحلة الجامعية نفسها، فأعرف أن الطالب في هذا العمر، مهما بدا قويًا وواثقًا، يظل مليئًا بالأسئلة والضغوط ومحاولات إثبات الذات.
ويختلف الأمر حين يكون العمل أقرب إلى نطاق شؤون الطلاب. فالطالب حين يأتي إلينا لا يأتي حاملًا ورقة أو طلبًا، بل يأتي أحيانًا ومعه قلقه وحيرته، أو مشاكله. قد لا يحتاج تدخلات كبيرة بقدر ما يحتاج أن يسمعه أحدهم بهدوء، فكثيرًا ما يكشف حديث طالب واحد عن زاوية لم تكن واضحة لنا، أو عن تفصيل يومي بسيط لكنه مؤثر في تجربة عدد أكبر من الطلاب.
ومن خلال هذه اللقاءات والمواقف اليومية، ترسخت لدي قناعة بسيطة: أن الطالب آكثر من مجرد متلقٍ للمعرفة أو مستفيد من الخدمات الجامعية، بل شريك حقيقي في العملية التعليمية. شريك قد لا يكون الأعلى صوتًا، لكنه في كثير من الأحيان الأكثر تأثيرًا.
إنه الشريك الصامت الذي تُبنى من أجله الجامعات، وتُصمم لأجله البرامج، وتُتخذ باسمه القرارات.
تُصاغ قرارات كثيرة في الجامعات تخص الطالب من موقع المسؤولية والحرص على تجويد التجربة التعليمية: خطط دراسية، جداول، لوائح، اختبارات، خدمات، أنشطة، ومسارات دعم وارشاد. وغالبًا ما تمر هذه القرارات عبر لجان ومجالس ونقاشات طويلة، لكنها في النهاية تصل إلى الطالب بوصفه الطرف الذي سيعيش أثرها يومًا بيوم.
فصاحب القرار قد يرى الصورة من الأعلى، لكن الطالب يختبرها من الداخل. قد يبدو القرار منطقيًا على الورق، ومناسبًا في الجدول، ومتسقًا مع اللوائح، لكنه في حياة الطالب قد يعني عبئًا إضافيًا، أو وقتًا ضائعًا، أو صعوبة في الوصول إلى خدمة، أو شعورًا بأن تجربته لم تكن حاضرة بما يكفي عند صناعة القرار.
لذلك لا يكفي أن نقول إننا نقرر من أجل الطالب، بل الأهم أن نسأل: هل منحناه فرصة كافية ليكون حاضرًا قبل أن نقرر عنه؟ فالطالب لا يطلب أن يحل محل صانع القرار، لكنه يستحق أن يكون صوته جزءًا من الصورة؛ لأن من يعيش التجربة يملك دائمًا معرفة لا تمنحها التقارير وحدها.
وهنا لا بد من التوقف عند سؤال أعمق: كيف ترى الجامعة الطلبة؟ هل هو منتج نهائي تسعى إلى تخريجه؟ أم عميل تقدم له خدمة تعليمية؟ أم شريك في صناعة التجربة الجامعية نفسها؟
في النموذج التقليدي، كان الطالب يُرى غالبًا بوصفه «مخرجًا» من مخرجات الجامعة؛ يدخل إلى المؤسسة التعليمية في بداية رحلته، ثم يغادرها حاملًا شهادة ومهارات ومعرفة تؤهله لسوق العمل. وهذا المنظور مهم لأنه يربط الجامعة بجودة الخريج، وكفاءته، وقابليته للتوظيف، وقدرته على تمثيل جامعته في المجتمع. لكنه يظل منظورًا ناقصًا إذا اختزل الطالب في صورة الخريج فقط.
ثم جاء منظور آخر ينظر إلى الطالب بوصفه «مستفيدًا» أو «عميلًا» من خدمات الجامعة. وقد ساعد هذا المنظور الجامعات على تحسين إجراءاتها، ورفع جودة خدماتها، وقياس رضا الطلاب عن التسجيل، والإرشاد، والمنصات الرقمية، والسكن، والنقل، والمرافق، والأنشطة. لكنه قد يحول العلاقة بين الطالب والجامعة إلى علاقة استهلاكية.
ونأتي للنموذج الأكثر نضجًا اليوم، وهو أن تنظر الجامعة إلى الطالب بوصفه شريكًا. لأنه يعيش التجربة يوميًا، ويرى تفاصيلها كما لا تسردها المؤشرات. الطالب الشريك لا يكتفي بتلقي الخدمة، بل يساهم في تحسينها. لا يكون حاضرًا فحسب في قاعة المحاضرة، بل في قياس التجربة، وتطوير المبادرات، والمجالس الطلابية الاستشارية، وصناعة الانتماء، وتقديم التغذية الراجعة التي تساعد الجامعة على التقاط ما لا يظهر في التقارير.
ومن هنا، ستكون الريادة في المستقبل للجامعات التي تدرك أن الانتماء الطلابي لا يُصنع تلقائيًا، بل بتصميم مؤسسي يمنح الطالب صوتًا مسموعًا قبل اكتمال القرار لا بعده. فالجامعة التي تريد أن تصنع أثرًا حقيقيًا في طلابها، لا يكفي أن تضعهم في قلب خططها، بل يجب أن تمنحهم دورًا فاعلًا في تشكيل تجربتهم، ليشعروا أنهم جزء من الكيان لا مجرد عابرين فيه.