الهادي التليلي
وثيقة التفاهم التي وقَّعها الطرفان الأمريكي والإيراني طرحت عدداً من الأسئلة العميقة والسطحية، وقبل ذلك أفرزت واقعاً جديداً ومتغيِّرات في مشهد التوازن الجيو سياسي في المنطقة،
فالحرب التي أشعلت فتيلتها إسرائيل في لم تنهها هي، بل إنها لم يتم إشراكها في المفاوضات، والأكثر من ذلك بقيت اعتداءاتها متوقفة على لبنان، وهذا يعكس الصورة الذهنية التي أصبحت عليها إسرائيل بعد الحرب لم تعد ضمن النواة الفاعلة بقدر ما هي أقرب إلى الفضلة إذا ما استعرنا المصلح اللغوي.
كذلك أعطت لقاء الصين وأمريكا مساحة ظل اجترها الواقع ولم يبح لها الإعلام ساعتها كما أنها قدمت إيران التي هي من نفذت الأجندات الأمريكية طوال سنوات وكانت سبباً في سقوط بغداد وصدام حسين وأفغانستان وبن لادن على أنها قوة مؤثرة.
في الحقيقة المواجهات الإيرانية الإسرائيلية يمكن اعتبارها من فئة صراع من هم غير مأسوف عليهم، فكلاهما أشعلت المنطقة خراباً ودماراً وحروباً سواء كانت مباشرة أو بالوكالة وأحلام ومشروع كل جهة منهما توسعية على حساب الأجوار فهذا يمني النفس بإسرائيل الكبرى وذاك تراوده أحلام الإمبراطورية الفارسية وهما الخاسران الأكبر في هذه المعارك، وهو ما عكسه واقع ما بعد الحرب ولم يبح به أي طرف منهما.
أيضاً المصالح الأمريكية في كل العالم ومصالح العالم في مضيق هرمز صارت غير بعيدة عن الخطر.
أيضاً الطاقة والتبادلات الدولية إضافة إلى المعادن الثمينة كالذهب والكوبالت صارت أسواقها في مهب الريح تتقاذفها التصريحات وأوهام السلام.
هذا في ما يخص العناوين الكبرى للواقع في فترة التفاوض حول سلام دائم والذي يتضمن أسئلة عميقة حول ماهية هذا السلام
أولاً: تزامن مذكرة التفاهم مع كأس العالم التي تُقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا والتي من صالح أمريكا أن تُقام دون مشاكل وعمليات انتقامية وخصوصاً أن الملايين الذين حضر منهم الكثيرون ممن تضرروا من هذه الحرب من قريب أو بعيد ومن يتابع مسار التفاوض الأمريكي الإيراني يعرف جيداً أن الكوبوي الأمريكي لم يلتزم يوماً بها وفي كل المعارك كانت المفاوضات بأشواط متقدمة أحياناً تكون الوفود في قاعة التفاوض والهجمات الأمريكية تنطلق دون سابق إنذار
وهنا يرى الكثيرون أن السلام الحالي هو هدنة تنتهي بنهاية كأس العالم ويبررون مماطلة الطرف الأمريكي وامتناع أعضاء الوفد للتوجه إلى سويسرا والحال أن الأطراف وقَّعت على وثيقة التفاهم ومن بين نقاطها أن يدوم التفاوض لمدة ستين يوماً وهو ما يسمح بانعقاد كأس العالم على أفضل وجه.
ثانياً: يرى آخرون أن الهدنة نتيجة ضغط داخلي أمريكي وخارجي دولي وما نتج عن غلق مضيق هرمز على التجارة العالمية وتحرك قوى مثل الصين وروسيا والسعودية وغيرهما لإنهاء الصراع وعدم الانجرار وراء أحلام إسرائيل الإقليمية وهذه وجهة نظر لها وجاهتها إذا نظرنا إلى موعد الانتخابات النصفية الأمريكية والتي تهدد الجمهوريين بخسارة مدوِّية، كما أن زيارة ترامب للصين جعلت الأمريكان يعيدون حساباتهم، كما أن اعتداءات إيران على الدول الخليجية الجارة بحجة وجود قواعد أمريكية لها جعلت السعودية بوصفها القوة الإقليمية الأقوى تحرك دبلوماسيتها وثقلها حماية للأشقاء الخليجيين.
ثالثاً: شغور صندوق أهداف أمريكا من نجاحات حربية والخسائر مع العزلة التي وجدت فيها أمريكا نفسها بعد تخلي أعضاء النيتو عن ترامب وجدت أمريكا نفسها ولأول مرة في التاريخ معزولة ومنبوذة دولياً بسبب إسرائيل التي تقبع في قاع العزلة الدولية وهو ما لا يتوافق مع المصلحة العليا لأمريكا.
رابعاً: فشل إيجاد بدائل للنظام الإيراني الحالي خاصة بعد فشل تجييش الأكراد، وكذلك المعارضة بالخارج مما يجعل وجود نظام حالي معروفة تفاصيله أفضل من مستقبل مجهول قد يحرق المنطقة ويقضي على كل المصالح والفرص الممكن الاستفادة منها مثل البترول والغاز وغيرهما.
خامساً: يرى البعض الذين يرون من أسباب انجراف ترامب في الحرب ملف ابستين والابتزاز الصهيوني له وأن هذا الملف لم يعد مهماً بقدر الخسائر المتحققة بسببه وانفلات العلاقة بين أمريكا وإسرائيل في هذه الحرب التي ندم ترامب على الدخول فيها.
سادساً: الاقتصاد العالمي والمصالح المالية للدولار والنفط والبورصة هي من تقف وراء هذا الصمت الحربي رغماً عن تقاطعه مع مصالح إسرائيل.
أياً كانت الأجوبة الأقرب للحقيقة فإن الواقع يتقبل كل هذه الأسئلة ولكن وفق زاوية نظر محددة والأيام القادمة كفيلة بتقديم إجابات تستجيب لمصالح الأطراف المباشرة لهذه الأحداث والمؤثّرة فيها، وفي كل الحالات الحرب هي أسوأ خيار تختاره البشرية.