عمرو أبوالعطا
في الأزمنة التي كانت فيها المجلات تُشبه العروش، وكانت الافتتاحية تملك من الهيبة ما يجعل السياسي يترقبها، والممثل ينتظرها، ورجل الأعمال يخشاها، ظهر رجل بملامح باردة وابتسامة ساخرة، كأنه جاء من ضباب كندا ليحكم مدينة لا تعترف إلا بالأقوياء. ذلك الرجل كان غرايدون كارتر، الاسم الذي التصق بمرحلة كاملة من تاريخ الصحافة الأمريكية، حتى بدا وكأنه ليس مجرد محرر، بل روح عصر كامل بدأ بالأناقة وانتهى أمام شاشات الهواتف.
ولد كارتر في أوتاوا، المدينة الهادئة التي لا تُشبه صخب نيويورك في شيء، ونشأ في بيت بسيط لأسرة متوسطة، بعيداً عن مراكز النفوذ التي سيصبح لاحقاً أحد صناعها. غير أن الصبي الذي عاش على هامش الإمبراطوريات الكبرى وجد في المجلات نافذته الأولى على العالم. كان الورق بالنسبة إليه أكثر من صفحات؛ كان وعداً بالخروج من الرتابة، وكانت الصور البراقة والقصص العميقة تمنحه شعوراً بأن العالم أوسع من شوارع العاصمة الكندية الهادئة، وأن الحياة يمكن أن تُعاد كتابتها إذا امتلك الإنسان الجرأة والخيال.
في سنوات الشباب، لم ينتظر أن تفتح له المؤسسات أبوابها، بل صنع بابه بنفسه. أسس مجلة The Canadian Review في أوائل السبعينيات، وبدت التجربة في ظاهرها مغامرة طلابية، لكنها في جوهرها كانت إعلاناً مبكراً عن شخصية لا تعرف الانتظار. تعلم هناك كيف تُكتب المادة، وكيف يُصمم الغلاف، وكيف تُجمع الإعلانات، وكيف تتصارع الأحلام مع الأرقام. والمثير أن المجلة نمت سريعاً حتى أصبحت، لفترة وجيزة، ثالث أكبر مجلة توزيعاً في كندا، قبل أن تُهزم أمام أعباء المال وقسوة السوق. غير أن الهزيمة لم تكن نهاية، بل كانت درساً مؤسساً: الموهبة وحدها لا تكفي، فالثقافة أيضاً لها حسابات ومصاريف وفواتير.
عرف كارتر أن كندا أضيق من طموحه، وأن الجنوب الأمريكي يملك الجاذبية التي لا تقاوم. شد الرحال إلى نيويورك، المدينة التي كانت آنذاك عاصمة النشر العالمي، حيث تُصنع السمعة كما تُصنع الثروة. دخلها دخيلًا، لكنه دخلها بعين من يعرف أنه لن يبقى على الباب طويلاً. التحق بأعمال في مؤسسات كبرى مثل Time وLife، وهناك شاهد الماكينة الإعلامية من الداخل: البيروقراطية، صراع الأسماء، سطوة الإعلان، وكيف يمكن لمجلة واحدة أن تغيّر مزاج بلد كامل.
في تلك السنوات التقى عقولاً لامعة وصحفيين موهوبين، وتعلّم أن المؤسسة الكبرى تمنح الخبرة لكنها تسلب المغامرة. رأى كيف تتحول الصحافة أحياناً إلى إدارة، وكيف يفقد النص حرارته حين يُكتب لإرضاء الجميع. ومن داخل هذا الإدراك نضجت فيه رغبة التمرد، فالرجل لم يُخلق ليكون ترساً صغيراً في آلة ضخمة، بل ليعيد تصميم الآلة نفسها.
جاءت مغامرته الأولى الحقيقية في منتصف الثمانينيات حين شارك في تأسيس مجلة Spy مع كورت أندرسن. لم تكن المجلة مطبوعة عادية، بل تمريناً يومياً على السخرية الراقية. هاجمت الأثرياء، سخرت من المشاهير، كشفت هشاشة الطبقة العليا، وفضحت تلك المسافة بين الصورة والحقيقة. كانت نيويورك تقرؤها ضاحكة وخائفة في الوقت نفسه، لأن أحداً لم يكن يعرف من سيكون الضحية التالية.
في صفحات Spy تحولت الفكاهة إلى سلاح، وتحول الذكاء إلى محكمة علنية للنفاق الاجتماعي. استخدمت المجلة الرسوم البيانية، الخرائط الساخرة، والتقارير التي تُشبه المقالب الذكية. ومن أشهر ما فعلته إرسال شيكات صغيرة للغاية إلى كبار أثرياء المدينة لاختبار من سيصرفها. بعضهم تجاهل الأمر، وبعضهم كشف جشعاً لا يليق بالملايين التي يملكها. وكانت المجلة تعرف كيف تحوّل التفصيلة الصغيرة إلى فضيحة أخلاقية كاملة.
ومن بين أشهر معاركها عداؤها المبكر مع دونالد ترامب، رجل العقارات الصاعد آنذاك، الذي منحته المجلة لقباً سيطارده سنوات طويلة: «البرجوازي ذو الأصابع القصيرة». بدا الأمر مزحة صحفية، لكنه كشف شيئاً أعمق: قدرة الكلمة الساخرة على جرح غرور السلطة أكثر من أي اتهام مباشر. ظل ترامب غاضباً من كارتر زمناً طويلاً، وكان يرسل إليه صور أصابعه محاطة بدوائر ذهبية في محاولة عبثية للدفاع عن نفسه. هكذا أثبتت المجلة أن السخرية قد تفضح ما تعجز عنه المقالات الجادة.
ولم تقف آثار Spy عند حدود سنواتها القصيرة؛ فقد ألهمت جيلاً كاملاً من الساخرين السياسيين، من جون ستيوارت إلى ستيفن كولبير، ورسخت فكرة أن الكوميديا ليست هروباً من الواقع، بل وسيلة لفهمه وتشريحه. وحين توقفت المجلة عام 1998، بقي أثرها حيّاً بوصفها أحد أذكى ما أُنجز في الصحافة الأمريكية الحديثة.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة عام 1992، حين خلت رئاسة تحرير Vanity Fair بعد رحيل تينا براون إلى The New Yorker. كان السؤال في نيويورك: من يستطيع أن يرث مجلة جمعت بين البريق والنفوذ؟ وعندما وقع الاختيار على غرايدون كارتر، بدا الأمر لكثيرين مقامرة غير محسوبة. كيف لرجل اشتهر بالسخرية من النخبة أن يصبح سيداً في صالونها الأهم؟
لكن ما بدا تناقضاً كان في الحقيقة منطقاً خفياً. فالرجل الذي سخر من الطبقة العليا، كان يعرفها أكثر من كثير من أبنائها. عرف نقاط ضعفها، وعرف ما تريد أن تراه في المرآة، وعرف أيضاً ما تخشاه. لذلك دخل Vanity Fair لا ليهدم إرثها، بل ليعيد صياغته.
تحت قيادته، أصبحت المجلة مزيجاً نادراً بين التحقيقات الثقيلة وصور النجوم، بين السياسة والثقافة، بين الجريمة الراقية والموضة الرفيعة، بين واشنطن وهوليوود. كان القارئ يستطيع أن يجد في العدد الواحد مقالاً عن فساد السلطة، ثم ينتقل إلى جلسة تصوير أسطورية، ثم يقرأ قصة عن محاكمة هزت المجتمع الأمريكي. ذلك المزج لم يكن فوضى، بل كان فلسفة تقول إن العالم الحقيقي لا يعيش في أقسام منفصلة.
جمع كارتر حوله نخبة من أفضل الكتّاب. كان يعرف أن المجلة العظيمة لا يصنعها المدير بل الأصوات التي يمنحها المنبر. استقطب أسماء مثل كريستوفر هيتشنز، دومينيك دان، برايان بورو وغيرهم، وترك لهم مساحات واسعة وميزانيات كبيرة ووقتاً كافياً. في زمن السرعة، كان يؤمن بالبطيء المتقن. وفي زمن الاختصار، كان يراهن على النص الطويل الجميل.
كانت علاقته بكريستوفر هيتشنز تتجاوز حدود العمل. صداقة فكرية بين رجلين يعشقان الجدل واللغة الحادة. كان هيتشنز يكتب عن الدين والسياسة والحروب بنبرة لا تعرف المهادنة، وكان كارتر يمنحه المساحة والحماية والثقة. أما دومينيك دان فكان عين المجلة في المحاكم والفضائح الراقية، يحوّل القضايا الجنائية إلى دراما اجتماعية تكشف طبقات أمريكا المخملية. وجاء برايان بورو ليمنح المجلة عمقاً اقتصادياً نادراً، محولاً عالم المال إلى سرد مشوق.
أما الوجه البصري للمجلة، فقد تجسد في صور آني ليبوفيتز التي تحولت تحت إشرافه إلى جزء من الذاكرة الأمريكية. أغلفة لا تُنسى، من صورة ديمي مور الحامل التي كسرت المحظورات، إلى أعداد هوليوود السنوية التي تجمع نجوم العصر في لوحات بصرية أشبه بالمسرح. لم تكن الصورة عنده زينة للورق، بل لغة موازية للنص، تملك قدرتها الخاصة على التأثير وصناعة المعنى.
وفي عام 2005 حققت المجلة واحداً من أهم إنجازاتها الصحفية حين ساهمت في كشف هوية Deep Throat، المصدر السري في فضيحة ووترغيت، ليتبين أنه مارك فيلت. كان ذلك تذكيراً بأن المجلة التي تلمع على أغلفتها النجوم، قادرة أيضاً على الحفر في أعماق التاريخ السياسي الأمريكي.
وفي عام 2014 لعب كارتر دوراً آخر مختلفاً حين منح مونيكا لوينسكي مساحة لتكتب مقالها الشهير عن العار والنجاة. بعد سنوات من الصمت والتشهير، استعادت لوينسكي صوتها من خلال صفحات المجلة. هنا ظهر وجه آخر للرجل: المحرر الذي لا يكتفي بصناعة النجوم، بل يمنح من سُحقتهم الآلة الإعلامية فرصة لاستعادة إنسانيتهم.
ومع مرور السنوات، أصبحت Vanity Fair أكثر من مجلة. صارت مؤسسة للوجاهة الثقافية. إذا ظهرت في صفحاتها فأنت موجود. وإذا غبت عنها طويلاً فثمة ما يستدعي القلق. هكذا تحولت منبرًا يحدد من يصعد ومن يتراجع، من يلمع ومن يخفت، من يدخل النادي ومن يبقى خارجه. لقد أصبح كارتر ما يُعرف في الثقافة الأمريكية بـTastemaker، صانع أذواق يقرر ما الذي يستحق الاهتمام ومن الذي يستحق الضوء.
وجاء التعبير الأوضح عن هذه السلطة في حفل ما بعد الأوسكار الذي أطلقه في التسعينيات. لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مسرحاً للنفوذ الناعم. هناك تختلط السينما بالسياسة، والمال بالفن، والنجومية بالمصالح. وكان كارتر يدير قائمة المدعوين كما يكتب افتتاحية حساسة: من يدخل، ومن يُستبعد، ومن يُجاور من. في ذلك الحفل تجسدت فكرته الكبرى: أن الإعلام ليس فقط ما يُنشر، بل أيضاً من يجتمع بمن، ومن يلتقط الصورة مع من.
في تلك المرحلة، بدت إمبراطورية المجلات في أوجها. ميزانيات ضخمة، رحلات على متن الكونكورد، إقامة في أفخم الفنادق، ولائم عمل، جلسات تصوير تكلف ثروات، وكتاب يسافرون أشهراً لإنتاج قصة واحدة. وكانت شركة Condé Nast، بقيادة المالك الأسطوري سي نيوهاوس، تمنح كارتر دعماً واسعاً وثقة نادرة، لأنه كان يحول البذخ إلى نفوذ، والنفقات إلى هيبة، والهيبة إلى أرباح.
حتى أجواء العمل اليومية كانت جزءاً من الأسطورة. في أيام إغلاق العدد، كانت عربات الطعام الفاخر والنبيذ تمر بين المكاتب، وكأن التحرير احتفال لا وظيفة. كان كارتر يؤمن أن الإبداع يحتاج بيئة تحترم الكاتب وتدلله، وأن النص العظيم لا يُنتج في مناخ البؤس الإداري.
ولم تخلُ حياته من طرائف النخبة. من أشهرها عشاء الأميرة مارجريت الذي تحوّل إلى أمسية مرتبكة ومليئة بالمفارقات، وروى كارتر تفاصيلها بروح ساخرة في مذكراته. فقد كان الرجل يعرف أن الطبقة العليا، مهما بالغت في هندسة صورتها، تظل مليئة بالضعف والغرابة والعبث الإنساني.
لكن تحت هذا البريق كانت الأرض تتحرك. الإنترنت بدأ يغيّر العادات، والإعلانات أخذت تهاجر، والقارئ صار أقل صبراً وأكثر استعجالاً. ظهرت المنصات الرقمية بوعد السرعة والمجانية، بينما ظل الورق يحتاج إلى وقت وكلفة وانتباه طويل. ومع كل عام، كانت مملكة المجلات تخسر جزءاً من سلطانها.
كارتر لم يكن ساذجاً كي ينكر ما يحدث، لكنه كان يؤمن أن الجودة يمكن أن تؤجل الهزيمة. استمر في الرهان على التحقيق الكبير والصورة المتقنة والنبرة الأنيقة. غير أن التاريخ حين ينعطف لا يلتفت كثيراً إلى الذوق. بدأت المؤسسة القديمة تتراجع أمام اقتصاد جديد تحكمه النقرات والخوارزميات.
وفي عام 2017، أعلن رحيله عن Vanity Fair بعد خمسة وعشرين عاماً. لم يكن مجرد تغيير إداري، كان إعلاناً رمزياً عن نهاية زمن كامل. الرجل الذي جسّد العصر الذهبي للمجلات يغادر في اللحظة التي أصبح فيها العصر نفسه ذكرى.
ومع ذلك، لم ينسحب إلى الصمت. أطلق مشروعه الرقمي Air Mail عام 2019، نشرة أنيقة موجهة إلى جمهور يحن إلى الكتابة الجيدة والتحرير الدقيق. كان المشروع أشبه بمحاولة لإنقاذ روح المجلة داخل جسد جديد. لا الورق عاد ممكناً كما كان، ولا الذائقة القديمة اختفت تماماً. فاختار أن يبني جسراً بين العالمين.
وفي مذكراته When the Going Was Good قدّم شهادة شخصية على زمن كامل: سنوات الوفرة، حفلات النخبة، المعارك الصحفية، وانطفاء عصر الورق. لم يكتبها كرثاء، بل كاعتراف بأن الجمال كان ممكناً، وأن الصحافة كانت يوماً تملك من السحر ما يجعلها جزءاً من صناعة التاريخ لا مجرد التعليق عليه.
ما الذي مثّله غرايدون كارتر حقاً؟ لم يكن مجرد محرر ناجح، ولا مجرد صاحب نفوذ اجتماعي. لقد مثّل فكرة المحرر بوصفه شخصية عامة، صانعاً للذوق، حارساً للمعايير، وسيطاً بين الثقافة والسلطة. في زمنه، كان للمحرر وجه وصوت وحضور، وكان يمكن لاسمه أن يوازي أسماء الممثلين والسياسيين. أما اليوم فقد اختفت هذه المكانة تقريباً خلف الشركات والمنصات والبيانات.
مثّل أيضاً لحظة أمريكية خاصة، حين كانت نيويورك مركز العالم الثقافي، وحين كان ممكناً لمجلة واحدة أن تجمع بين هوليوود والبيت الأبيض ووول ستريت في عدد واحد. تلك المركزية تفتتت لاحقاً، وتوزعت السلطة بين آلاف الشاشات وملايين الحسابات.
ومع ذلك يبقى إرثه أبعد من الحنين. لقد أثبت أن الصحافة ليست معلومات فقط، بل أسلوب أيضاً. وأن الجدية لا تعني الجفاف، وأن الترف البصري يمكن أن يجاور العمق الفكري، وأن السخرية قد تكون أصدق من اللغة الرسمية. علّم أجيالاً من الصحفيين أن الجرأة قيمة، وأن التحرير فن، وأن الذكاء يمكن أن يكون جذاباً.
وحين ننظر اليوم إلى عالم الإعلام، نكتشف مقدار ما فقده من الإيقاع والهيبة. صارت الأخبار أسرع، لكنها أقل رسوخاً. وصارت الصور أكثر، لكنها أقل بقاءً. وصار الوصول أسهل، لكن التأثير أضعف. في هذا الفراغ يعود اسم غرايدون كارتر كذكرى لرجل عرف أن الكلمة تحتاج مسرحاً، وأن الحقيقة تحتاج إخراجاً، وأن القارئ يستحق أكثر من مجرد معلومة عابرة.
لقد كان واحداً من آخر الذين عاشوا زمن المحرر الإمبراطور، حين كانت المجلة مملكة، والغلاف حدثاً، والافتتاحية إشارة، والدعوة إلى الحفل شهادة نفوذ. ومع رحيله عن العرش، لم يسقط رجل فقط، بل أُسدل الستار على حقبة كاملة.
وربما لهذا تبدو سيرته أكثر من حكاية فردية. إنها سيرة الورق حين كان قادراً على منافسة الشاشة، وسيرة نيويورك حين كانت تقود العالم بالذوق كما تقوده بالمال، وسيرة الصحافة حين كانت تعرف أنها ليست مجرد صناعة، بل فن من فنون القوة الناعمة.