د. تنيضب الفايدي
يقع بقيع الغرقد بجوار الحرم النبوي الشريف في مواجهة القسم الجنوبي الشرقي من سور المسجد النبوي الشريف، بل هو قلب المدينة حالياً، وسمي بقيع الغرقد لانتشار شجر الغرقد فيه فذهب الشجر (الغرقد) وبقي اسمه. يعتبر بقيع الغرقد من أهم المعالم المهمة والمأثورة في المدينة المنورة من عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحتى الآن، حيث يحتضن في حجره الجمّاء الغفير من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، وكان أوّل من قبر هناك من المهاجرين عثمان بن مظعون -رضي الله عنه- فوضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم حجراً عند رأسه وقال هذا قبر فرطنا، وكان إذا مات المهاجر بعده، قيل يا رسول الله أين ندفنه؟ فيقول: عند فرطنا عثمان بن مظعون. كما دفن في البقيع عدد من الصحابة هم أكثر علماً في القرآن الكريم وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، منهم: عبد الله بن مسعود وأبو هريرة وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهم- أجمعين. كما دُفن فيه أولاد النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل إبراهيم ورقية وزينب وفاطمة الزهراء - رضي الله عنهم -، وأمهات المؤمنين زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - عدا السيدة خديجة -رضي الله عنها- فقد دفنت بمكة، والسيدة ميمونة -رضي الله عنها- حيث دفنت بسرف بالقرب من مكة. كما دفن فيه عمه العباس، وعمته صفية - رضي الله عنها - جميعاً. وقد بكى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند بعض القبور في البقيع مثل: قبر عثمان بن مظعون -رضي الله عنه- وقبر ولده إبراهيم. ونظراً لفضل الموت في المدينة النبوية، وذلك يستلزم الدفن في البقيع، فعن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها، فإن كثيراً من الصحابة يريدون الدفن في مقبرة المدينة النبوية وهو البقيع، فقد ورد أن بعض الصحابة توفي في ضواحي المدينة النبوية ثم حمل إلى المدينة ودفن في البقيع، فقد ذكر العباسي أن المقداد بن الأسود صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفي في الجرف فحمل على أعناق الرجال حتى دفن بالبقيع وصلى عليه عثمان -رضي الله عنهما-، كما ذكر ابن حجر أن أبا هريرة توفي في قصره بالعقيق سنة تسع وخمسين من الهجرة فحمل إلى المدينة.
إن اختيار بقيع الغرقد كمقبرة لأهل المدينة كان من قِبل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى الحاكم عن أبي رافع -رضي الله عنه-، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرتاد لأصحابه مقبرة يدفنون فيها، فكان قد طلب نواحي المدينة وأطرافها، ثم قال: «أمرت بهذا الموضع»، يعني البقيع وكان يقال: بقيع الخبخبة، وكان أكثر نباته الغرقد. فكان أمر الله -عز وجل- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- باتخاذ البقيع مقبرة للمسلمين أكبر فضل له. وقد تعهده رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بالزيارة والدعاء لمن دفن به من المسلمين والمسلمات، كما حرص -صلى الله عليه وسلم- على تعليم الصحابة آداب الزيارة وكيفية الدعاء للموتى، فعن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». رواه مسلم.
لم يكن البقيع في أول الأمر واسعاً، وقد حدد بأنه لا يتجاوز ثمانين متراً طولاً وثمانين متراً عرضاً، ثم أدخلت فيه مساحات أخرى، ففي شرق بقيع الغرقد يقع حُش كوكب حيث دفن الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ثم دخل هذا في توسعة البقيع، ومن ثم جرت التوسعة عليه عدة مرات حتى الزمن الحالي.
البقيع من الأماكن التي تشرع زيارتها في المدينة المنورة، حيث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزورها كثيراً ويصلي عليهم ويدعو لهم بالمغفرة، علماً بأن غرض الزيارة للبقيع قد وضحها رسول الله -صلى الله عليه وسلم فعن أم سلمة -رضي الله عنها - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن لكم فيها عبرة». وفي رواية «فإنها تذكِّر الآخرة». رواه الترمذي.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يزور البقيع للعظة والعبرة والدعاء للأموات، فهذه الأهداف من زيارة البقيع، فلا يجوز زيارتها لغيرها، كما لا يجوز بناء القبب على تلك القبور؛ لأن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». رواه أبو داود والنسائي. وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». رواه مسلم. وعندما سألته السيدة عائشة -رضي الله عنها- كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم المتقدمين والمتأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». رواه ابن ماجة. وعن بريد - ضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». رواه مسلم. وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- وفيها قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا إني قد كنت نهيتكم عن ثلاث: ثم بدأ لي فيهن، نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدأ لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجراً». وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن لكم فيها عبرة». وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة». رواه ابن ماجة. ولذا فقد أجمع المسلمون على مشروعية زيارة بقيع الغرقد، فعلى القادم إلى المدينة المنورة أن يأتي البقيع ويسلم على أهله ويدعو لهم اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وأصل البقيع في اللغة: كل مكان فيه أُرُومُ الشجر من ضروب شتى. والغرقد: كبار العوسج. قال الزاجر: ألِفْنَ ضالاً ناعماً وغرْقداً.. قال الخَطيم العُكلي:
أواعِسُ في بَرْثٍ من الأرض طيّبٍ
وأوديةٌ يُنْبِتْنَ سِدْراً وغَرْقدا
وقال ياقوت الحموي: غَرْقد: وهو نبت وهو كبار العوسج وبه سمي بقيع الغرقد مقبرة أهل المدينة. وقال حسان يرثي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
وجهي يقيك الترب لهفي ليتني
غيّبْتُ قبلك في بقيع الغَرْقدِ
بأبي وأمي من شهدتُ وفاته
في يوم الاثنين النبي المهتدي
وقال عمرو بن النعمان البياضي يرثي قومه، وكانوا دخلوا حديقةً من حدائقهم في بعض حروبهم، وأغلقوا بابها عليهم، ثم اقتتلوا فلم يفتح الباب حتى قتل بعضهم بعضاً:
خلَتِ الديارُ فسُدت غير مُسَوَّد
ومنَ العناءِ تفرُّدي بالسؤدُدِ
أين الذين عهدْتُهُمْ في غِبْطةٍ
بين العقيق إلى بقيع الغرقد؟
كانت لهم أنهابُ كل قبيلة
وسلاحُ كلّ مُدرَّب مستنجد
نفسي الفداءُ لفتيةٍ من عامرٍ
شربوا المنيّة في مقامٍ أنكد
قومٌ هُموا سِفَكوا دماءَ سراتِهم
بعضٌ ببعضِ فِعْلَ مَنْ لم يرشُدِ
يا للرجال لعثرةٍ من دهرهم
تُركَتْ منازلهم كان لم تُعْهَدِ
قال العباس بن الأحنف :
إنَّ فيما بَينَ البَقيعِ وبُطحا
نَ لَداراً فيها الهَوَى مُكْتُومُ
لَستُ أنسَى بُكاءها يومَ سارُوا
بأبي دَمعُ عَينِها المَسجُومُ
سَاقَ طَرْفي إلى فُؤادي البلايا
إنّ طرفي عَلَى فُؤَادي مَشُومُ
كَتَبَ الحُبُّ في فؤادي كِتاباً
هُوَ بالشَّوقِ والضّنى مَختُومُ
قال البلادي: الغرقد على لفظ اسم الشجر موضع، قال أبو سعيد، وقد أنشد بيت زهير:
وأرى العيون وقد وَنَى تقريبها
ظمأى فخشَّ بها خلال الغَرْقَد
وما أحسن ما قاله الشاعر:
لستُ آسي على تفرّق شملي
غير قبري بأي أرضٍ يكونُ
أبأرض البقيع تحت ترابٍ
فيه جدّي ووالدي مدفون
بين قوم أعزّة في حِماهم
ولهم عند ربِّهم تمكين
أم بأرضٍ أخرى فيا ليت أنِّي
في سوى أرض طيبة لا أكون؟
تلك أرض لخاطري مثلُ لَيْلى
وفؤادي يحبُّها المجنون
وثراها لمقلتي أن تراها
إثمدٌ منه تستنير العيون
إنَّ ظَنِّي بخالقي لجميل
ليس في مثله تخيب الظنون
وقال الشاعر:
تعجبتُ من أمر البقيع وقد غدا
على وحشة الموتى، له مهجتي تصبُو
وقال آخر:
إذا أمسيتُ في قاع البقيع
مجاور رحمة الباري السميعِ
فهَنُّوني بما لاقيتُ إني
أراني في حمى حِرْزٍ منيع
وقال الشيخ جمال الدين العصامي:
يا أهلَ دار المعُلَّى والبقيعِ سَقَتْ
ربوعَكم سحبٌ منهلَّةُ الدِّيم
لو أن روحي في كفِّي لزُرتكم
سعياً على الرأس لا سعياً على القدم
إن الدفن في بقيع الغرقد لا يعني أن الشخص المدفون في بقيع الغرقد يدخل الجنة بدون حساب، بل كلّ إنسان سوف يحاسب على أعماله، قال تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (7-8) سورة الزلزلة. وعن سلمان -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ الأَرْضَ لاَ تُقَدِّسُ أَحَداً، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الإِنْسَانَ عَمَلُهُ». رواه الإمام مالك.
وقد ثبت أن رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول دفن في البقيع، فدفنه في البقيع لا يقلل من فضيلة البقيع، كما ورد فضيلة الموت في المدينة النبوية، فوفاة المنافقين في المدينة أيضاً لا ينقص من تلك الفضيلة شيئاً، ولكن هناك عدة أحاديث صحيحة تدلّ على فضل من دفن في بقيع الغرقد من المسلمين والمسلمات، لذا يتمنى كلّ مسلم ومسلمة أن يكون حظه مع من يدفن في هذه البقعة، لينال تلك الفضائل، فمن تلك الفضائل:
- كثرة زيارة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهل البقيع: فقد تعهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بزيارة بقيع الغرقد والدعاء لمن دفن به من المسلمين والمسلمات.
- ومن فضائل البقيع أن من دفن فيه يستحق لشفاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها) رواه الترمذي.
- ومن فضائله أيضاً أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد دعا لأهل البقيع بالمغفرة، فقد روى مسلم في الصحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» رواه مسلم.
- ومن فضائله أن الله سبحانه وتعالى أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستغفر لأهل البقيع كما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- وفيه: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم». رواه مسلم.
- ومن فضائله أن أهل البقيع يبعثون آمنين يوم القيامة كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «من مات بأحد الحرمين بعث آمناً يوم القيامة».
- ومن فضائله أيضاً أنه يبعث منها سبعون ألفا يوم القيامة على صورة القمر ليلة البدر.
- ومن فضائل البقيع قربه من المسجد النبوي الشريف، حيث يصلّى في المسجد النبوي الشريف، ثم يتم دفنه في البقيع، وكلاهما فضل كبير، ثم من فضائل البقيع جواره من قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا فيه تشريف وفضل، فقد ثبت أن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- وغيرهما من الصحابة تمنوا أن يدفنوا جوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فجميع الأدلة الشرعية سواء السنة النبوية الشريفة من قول أو عمل أو تقرير أو إجماع وغيرها من الأدلة الشرعية تثبت بأن الدفن بالبقيع يعتبر تطبيقاً للسنة النبوية، وتعارف أهل المدينة (العرف) على ذلك واستصحبوه (الاستصحاب) من العهد النبوي إلى الآن بل وإلى يوم القيامة، علماً بأن الحرص على الموت بالمدينة والدفن بالبقيع لا يقتصر على أهل المدينة فقط بل يتجاوزه لكل مسلم ومسلمة على الكرة الأرضية، ويعلم الجميع حتى من لم يكن متعلماً بأن أعمال الإنسان هي الأصل في ميزان الرحمن بعد الموت، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لمعرفة فضائل المدينة وفي مقدمتها فضائل البقيع، ونقل تلك الفضائل إلى الأجيال القادمة.
** **
المراجع:
معجم البلدان للحموي، المغانم المطابة في معالم طابة للفيروزآبادي، وفاء الوفا للسمهودي، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، عمدة الأخبار في مدينة المختار للعباسي، الجواهر الثمينة في محاسن المدينة تأليف: محمد كبريت، معجم معالم الحجاز للبلادي، البقيع من فضائل المدينة المنورة للدكتور/ تنيضب الفايدي، ثقافة الأديب عن آثار ومواقع في بلد الحبيب -صلى الله عليه وسلم- للدكتور/ تنيضب الفايدي.