د. محمد بن عبدالله آل عمرو
يظن بعض الناس أن البهجة والوقار نقيضان لا يجتمعان؛ فالبهجة في تصورهم ترتبط بالمرح والانطلاق وخفة الروح، بينما يرتبط الوقار بالجدية والصمت والتحفظ، ولذلك نجد في مجالسنا ومناسباتنا ولقاءاتنا عدة شخصيات حدية في سلوكها، فمنهم الصامت المتحفظ الذي يرى ذلك من لوازم الوقار والهيبة، ومنهم البشوش المرح الذي يملأ المكان طاقة إيجابية تشع سعادة وسروراً، ومع ذلك فقد يوصف بالخفة وعدم الهيبة والاحترام، غير أن المتأمل في طبائع البشر، واستقراء سير العظماء والقادة والعلماء، يجد أن هذه التصورات ليست دقيقة، وأن البهجة والوقار ليسا خصمين متنازعين، بل فضيلتين متكاملتين إذا اجتمعتا اكتملت بهما الشخصية الإنسانية المتزنة.
فالبهجة ليست مجرد ضحك أو مزاح، أو مشاركة في رقصة شعبية، خارجة عن حدود احترام الذات، فهي نتاج حالة من الرضا النفسي والإقبال على الحياة وبث الأمل في النفوس، في غير خفة وسفاهة، وهي من الصفات التي تجعل صاحبها محبوباً قريباً من الناس، يألفهم ويألفونه. أما الوقار فهو سكينة النفس ورجاحة العقل، في غير تجهم وعبوس، فذلك يمنح الإنسان هيبته واحترامه في أعين الآخرين، وتكون الشخصية متزنة حين تجمع بين القيمتين فلا تطغى إحداهما على الأخرى.
ومن أروع النماذج التي جمعت بين البهجة والوقار شخصية معلمنا وقدوتنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان أكثر الناس تبسماً في وجوه أصحابه، حتى قال عبد الله بن الحارث رضي الله عنه: «ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وفي الوقت نفسه كان إذا جلس في مجلسه علاه الوقار، حتى وصفه عمرو بن العاص رضي الله عنه بقوله: «ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له».
ولقد أدرك الحكماء هذه الحقيقة منذ القدم. فقد قيل: «البشاشة حبالة المودة»، لأن النفوس تنجذب بطبيعتها إلى الوجه الطلق والكلمة الطيبة، وفي المقابل فإن الوقار كان دائماً من علامات النضج وكمال العقل؛ قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلّموا العلم وتعلّموا للعلم السكينة والوقار»، إن العلاقة بين البهجة والوقار تشبه العلاقة بين القلب والعقل؛ فالقلب يمنح الإنسان دفئه الإنساني وقربه من الناس، والعقل يمنحه التوازن والحكمة.
وإذا طغت البهجة على الوقار تحولت الشخصية إلى شخصية خفيفة طائشة، لا تؤخذ آراؤها مأخذ الجد، وربما فقد صاحبها احترام الناس، أما إذا طغى الوقار على البهجة تحولت الشخصية إلى شخصية جامدة متأزمة، تثير الرهبة، والنفور، أكثر مما تثير الألفة، فيبتعد عنها الناس.
وفي حياتنا العملية المعاصرة تبدو الحاجة إلى هذا التوازن ملحّة، فبعض أولي الوظائف القيادية يظنون أن نجاح القيادي يقتضي التجهّم والتكلف في الجدية، بينما ذلك يفقده القدرة على بناء العلاقات الإنسانية، وفي المقابل نجد من يبالغون في المرح والمزاح في كل مناسبة حد السفاهة، حتى تضيع الحدود التي تحفظ الاحترام والتقدير.
إن المدير الناجح، والمعلم المؤثر، والأب الحكيم، والشيخ الوقور، جميعهم يحتاجون إلى جرعة من البهجة تجعل الناس يقبلون عليهم، وإلى قدر من الوقار يجعل الناس يحترمونهم ويثقون بهم.
فحين يلتقي الوجه البشوش بالعقل الرشيد، والكلمة اللطيفة بالموقف المتزن، تنشأ شخصية متكاملة تجمع بين المحبة والاحترام معاً.
وخلاصة القول إن البهجة والوقار ليسا فضيلتين متعارضتين كما قد يبدو لأول وهلة، بل هما جناحان للشخصية الناضجة. فالبهجة تجعل الإنسان قريباً من القلوب، والوقار يجعله راسخاً في النفوس. وإذا اجتمعا في إنسان واحد أحبّه الناس واحترموه، وإذا اختل التوازن بينهما مالت الشخصية إما إلى خفة تُسقط الهيبة، أو إلى جمود يُفقد الألفة.
وما أجمل أن يخرج المرء من مجلسه، أو من مقر عمله وقد ترك في القلوب أثراً من السرور، وفي النفوس شعوراً بالاحترام والتقدير.
ومن اللطيف أن العرب كانت تميز بين الوقار والعبوس، كما تميز بين البهجة والخفة؛ فليس كل مبتسم قليل الهيبة، وليس كل صامت وقوراً.
وإنما الوقار الحقيقي هو سكينة النفس، والبهجة الحقيقية هي إشراقة الروح، وإذا اجتمعت السكينة والإشراقة اكتملت ملامح الشخصية الإنسانية الرفيعة.