جاءت مشاركة المنتخب السعودي في كأس العالم عام 1994 أكبر من مجرد ظهور أول في البطولة العالمية.
فقد كوّنت لحظة وطنية مكتملة الأركان في الوجدان السعودي: راية خضراء تخفق عالياً، وفرح جماعي يرى في المنتخب صورة بلد يتباهى بمنجزاته وأبنائه في ظل الملك فهد بن عبد العزيز، عرّاب النهضة السعودية الحديثة.
في تلك الأيام لم يثقل الجمهور كاهل اللاعبين بحسابات الفوز والخسارة، فالوصول نفسه بدا حدثاً كافياً لأن يفتح أبواب المتعة.
كان الأخضر هناك، بين كبار اللعبة، وكان السعوديون يعيشون دهشة البدايات وحماسة التواجد الأول.
منذ أمريكا 1994 وحتى قطر 2022، ذهبت أغاني المنتخب إلى ما هو أبعد من مواكبة المناسبة، لتصبح مرآة لتحولات المجتمع والإعلام والفن: من زمن الكاسيت والإخراج التلفزيوني التصويري، إلى الفضائيات والفيديو كليب، ثم الرعايات التجارية، فالمنصات الرقمية.
1994.. الخليجيون والعرب يغنون للأخضر
في مونديال أمريكا، كانت الأغنية الرياضية أقرب إلى استجابة مباشرة لفرح وطني عارم. ساعد على ذلك أن مونديال 1994 جاء في زمن إعلامي جديد.
كانت الأطباق والقنوات الفضائية تشق طريقها إلى البيوت، مع هيمنة سعودية واضحة عبر «إم بي سي»، و«إيه آر تي»، و«أوربت»، إلى جانب التلفزيون السعودي الرسمي بالطبع.
وهكذا لم تعد الأغنية الرياضية محصورة في الشريط، بل أصبحت صورة ومشهداً تلفزيونياً يعبر الحدود.
أصوات أخرى في موسم الفرح الكبير
فقد واكب خالد عبد الرحمن الحدث بألبوم واسع الانتشار حمل أغنيتي «جوهر بلادي» و«ابن الوطن»، وفيهما ظهر صوته العاطفي المعروف بلون وطني صادق ومباشر.
كما أصدر محمد عمر ألبوماً خاصاً من أربع أغنيات، وغنّى عبادي الجوهر «فايزين» من كلمات «أسير الشوق» الأمير نواف بن فيصل بن فهد، وطرح سلامة العبد الله ألبوم «شوفوا السعودي» بأغنيتين من كلمات سعد الخريجي وعثمان المجراد.
ووجدت أعمال أخرى طريقها إلى الجمهور، مثل «داخل العين» لأصيل أبو بكر من كلمات وألحان والده، و«يالله حيوه» لبسام السلامة، و«رافع الراية» لفيصل كريم، إلى جانب مشاركة الممثل الكويتي ولد الديرة بأغنية «جاكم أخضرنا»، في صيغة شعبية خفيفة تشبه روح داود حسين في «حيوا السعودي».
1998.. راشد الماجد في واجهة المشهد
مع وصول المنتخب السعودي إلى مونديال فرنسا 1998، حضر سقف أعلى من التوقعات منح الأغنية دوراً أكثر انتظاماً، وفي تلك النسخة، كان راشد الماجد الصوت الأبرز.
طرح راشد شريط «السعودية»، الذي ضم مجموعة من الأعمال: «وطني» من كلمات سعود سالم وألحان راشد الماجد، و«يا سلامي عليكم يا السعودية» من كلمات سعد الخريجي وألحان صالح الشهري، و«يا أخضر معاك الله» بإسهام كويتي من كلمات ساهر (صالح مدوه) وألحان مطورة من مشعل العروج، إضافةً إلى «أخضر عنيد» من كلمات خالد الحمراني وألحان محمد شفيق.
وفي البطولة ذاتها، قدّم عبد الله رشاد أغنية «عزوة سعودي» من كلمات الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز وألحان صالح الشهري. وتميز العمل بحضور نجوم المنتخب في تصويره.
2002.. أغنية اصطدمت بوجع البداية
في مونديال كوريا واليابان 2002، سبقت الأغنية المنتخب وهي محملة بآمال عالية.
جاءت «السعودي عالمي» من كلمات الأمير نواف بن فيصل بن فهد، وألحان رابح صقر، وغناء رابح صقر وراشد الفارس، لتكون عنواناً فنياً لتلك المشاركة.
2006.. عودة الكبار وبداية عهد جديد
حملت مشاركة المنتخب السعودي في مونديال ألمانيا 2006 ملامح مرحلة جديدة، إذ جاءت مع مطلع عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز.
وفي تلك النسخة عاد محمد عبده إلى أغاني المنتخب بعد غياب منذ الثمانينيات، من خلال دويتو «أوه يا سعودي» مع رابح صقر، برعاية من شركة الاتصالات السعودية (stc).
كما غنّى راشد الفارس «عاشت بلادي» من كلمات الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز وألحان ناصر الصالح. وكانت كلمات الأغنية قد قُدمت سابقاً بصوت رابح صقر في نسخةٍ لم تحظ بالانتشار الكافي، قبل أن تعود بحضور أوضح مع الفارس.
أما راشد الماجد، فواكب الحدث بألبوم «صقور المنتخب»، الذي أعاد فيه طرح بعض أغنيات ألبوم 1998، مضيفاً عملين من كلمات منصور الشادي: «صقور المنتخب» و«الصقور الخضر». فيما سجّل الفنان الصاعد يومها جابر الكاسر تواجداً مهماً بأغنية «هلا بالسعودي».
بعد 2006، غاب المنتخب السعودي عن كأس العالم حتى 2018.
انتقل الجمهور من انتظار الألبوم في محلات التسجيلات إلى تلقي الأغنية في الهواتف خلال دقائق.
2018.. عودة الأخضر في زمن المنصات
مع عودة المنتخب السعودي في مونديال روسيا 2018، عادت الأغاني، لكن المشهد تبدل.
في تلك البطولة، جدّد طلال سلامة أغنيته الشهيرة «الله الله يا منتخبنا»، التي كتب كلماتها محمد صالح نوار، ولحنها محمد شفيق، تفاعلاً مع كأس آسيا 1984، وبتوجيه من الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز.
وفي النسخة المحدثة، شارك في الغناء أسيل عمران وحمزة هوساوي، بدعم من الخطوط الجوية السعودية.
من جهته، لحّن وغنّى رابح صقر «يا سعودي منصور» من كلمات المستشار تركي آل الشيخ، وشارك نجوم المنتخب في تصويرها، في مشهدٍ أعاد إلى الأذهان تجربة «عزوة سعودي» قبل عشرين عاماً.
كما حضر راشد الفارس بأغنية «قادرين» من كلمات فهد المساعد وألحان أحمد الهرمي، وراشد الماجد بأغنية «موفقين» من كلمات الأمير محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز وألحان ناصر الصالح، ووليد الشامي بأغنية «قدّام» التي لحنها من كلمات الشاعر واحد.
2022.. المونديال العربي والأغنية الرسمية
في مونديال قطر 2022، كان المشهد مختلفاً مرة أخرى، فالحدث يقام في دولة عربية للمرة الأولى، والحضور السعودي جاء محاطاً بزخم رياضي وإعلامي وشعبي كبير، توّجه الفوز التاريخي على الأرجنتين.
الأغنية الأبرز كانت «دربنا أخضر» بصوت محمد عبده وأميمة طالب، من كلمات الأمير عبد الرحمن بن مساعد بن عبد العزيز وألحان سهم، وقد اختيرت كأغنية رسمية، واستلهمت في بعض معانيها توجيهات سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز للاعبي المنتخب حول الاستمتاع باللعب دون ضغوط.
وطرحت الفنانة الإماراتية أحلام أغنية «عز وفخر»، قبل أن تقدم لاحقاً «صقور» بمشاركة فيصل العتيبي.
وإلى جانبها، قدّم الفنان عايض أغنية «الله معك يا أخضر» من كلمات قوس وألحان ياسر بوعلي، فيما غنّى سلطان خليفة «حاضرين».
في 2022، لم تعد الأغنية تُباع في المحلات كما كانت في التسعينيات، بل يتم بثها وتداولها وإعادة نشرها في المدرجات و«ريلز» المنصات.
أصبحت الأغنية جانباً حيوياً من حملة جماهيرية وإعلامية أوسع، لا مجرد إصدار فني مستقل.
** **
- أحمد الأسمري