علي الخزيم
= عمرو بن كلثوم صاحب المُعلقة: (ألا هُبّي بصحنك فاصبحينا) يستذكرـ حين بَلَغ وقاتل ـ ألعابه وقرناءه من صبيان الحَي حينما كانوا يفتلون المناديل أو الخِرَق حتى تكون عُقدة؛ وتُسمَّى (المَخَاريق) كوسيلة للمضاربة أثناء اللعب والمرح بقوله:
كأن سيوفنا فينا وفيهم
مَخاريق بأيدي لاعبينا
؛ فهو يصف المعركة وسرعة تداخل السيوف ومهارة فريقه بالقتال بأنها كالمخاريق وكأنهم كانوا يلعبون ولا يحاربون، ويُشار هنا لتسجيل صنف من ألعاب شباب قدماء العرب، وأنهم قد أدركوا أهمية الترويح عن النفس وممارسة ما يُنَقّي العقل ويريح الأعصاب من ألعاب ومنافسات تجمع بين اللهو والفائدة، ومثله قول: هبيرة المخزوميّ:
وصارت بأيديها السيوف كأنها
مخاريقُ ولدانٍ ومنها ظلالها
= ومن قراءاتي لمست أن ثمَّة شيئًا مهملًا من تاريخ الحياة في الحضارة الإسلامية وما قبلها مِمَّا صورته لنا الكتب القديمة وما تبعها من أفلام سينمائية ومتلفزة؛ ففي طفولتنا كانت أكثر مشاهداتنا المتلفزة المتاحة مشاهد المعارك الناشئة عن التنافس على الموارد والمرعى؛ ولأسباب تبدو لنا تافهة جدًا؛ كأن تنشَب حرب ضروس لمجرد أن فَحْل فلان (جَمَله) قد تعارك مع فحل جاره؛ وغيرها من الصور التي لا زلت أرى أن بها مبالغات من خلال كتابة (السيناريو) والإخراج وتركيز الصورة على جزئية مِن شأنها ترسيخ مفهوم مُعيَّن لا يليق بشموخ العربي الأصيل وأنفته وفروسيته، بينما معلقاتهم وأشعارهم وقصصهم والمرويات عنهم تشهد لهم بغير ذاك تمامًا!
= كما تجاوزت المناهج الدراسية (بعفوية) هذا الشأن ولم تتطرق له ولو بمختصرات تُسجّل الحقيقة دون الإسهاب بالتفاصيل؛ واصطبغت أفكار التلاميذ مُذ صغرهم بانطباع خاطئ يوحي لهم بأن أسلافهم العرب الأمجاد مارسوا حياتهم بجمود ومراسم صارمة ووتيرة مُملّة؛ وكذلك بتأمل (بعض) المسلسلات التاريخية العربية تلمس بها حيفًا وجورًا ضد الرموز العربية - ربما متعمد بالنظر لمَن كتب حوارها ومَوَّل إنتاجها للتقليل من شأنهم أمام الأجيال المعاصرة.
= العرب بصفة عامة من أكثر الشعوب حبًا للدُّعابة والمرح وممارسة التسلية البريئة المفيدة؛ وهي من كثرتها يصعب حصرها هنا؛ كألعاب المبارزة وسباقات الخيل والمصارعة والصيد؛ والتباري بالجري بين الصبيان؛ والتنافس بإجادة الشعر والقصص؛ والعديد من الرياضات الذهنية والبدنية التي تَشحذ العقول وتبني الأجسام؛ فكانت تسليتهم وألعابهم ضمن قواعد الانضباط ومعايير الأمانة والصدق؛ هدفها الأعلى الثمار الإيجابية المتحصلة من التنافس؛ والاحترافية بالأداء؛ وتخريج أجيال من الفرسان المقاتلين المخلصين؛ والمبدعين بالرياضيات العقلية؛ دون الإخلال بنظم القبيلة من حيث الكرم وإغاثة الملهوف وعون المعوزين؛ والتطوع لرعاية الأرامل والأيتام؛ وصيانة حقوق الجار؛ والكثير من سجايانا العربية العريقة الراسخة التي تميزنا بين الأمم.